القدر المحتوم
تمثل الولايات المتحدة الأمريكية (العالم الجديد) ظاهرة غير مسبوقة في التكوين التأريخي للدول , حيث ولدت من رحم الغنى والثراء , قارة بكر كل ما فيها وعليها يخطف الإعجاب , كان القادمون الأولونإليها لم يساورهم الشك في أن الارض التي إستوطنوها ليست هبة , بل هي جائزة فوزهم بالوصول المبكر الى العالم الجديد , لذلك فإن هذا العالم هو ملكهم الخاص وأن الدفاع عنه واجب,هكذا كان الفهم لدى المستوطنين الأولين إذ تكون القارة بأكملها مشاعة بين الرجال الأشداء الذين تركوا أواطنهم وغامروا بحياتهم وركبوا الصعاب في محيط له بدايات معروفة ونهايات مجهولة,ان المجتمع الأمريكي ومنذ تكوينه الأول كان مفتوحا للتنافس الشديد بين أفراده الذين جمعتهم روح المجازفة وشدهم الأمل لأن يتحول كل واحد منهم من أجير الى مالك للأرض , وأن يسبق أحدهم الآخر أو يعوق غيره , فالجميع في حالة سباق مع الزمن لوضع اليد على ما تطوله أطراف أصابعهم في عالم مازال مجهولا متراميا وراء الأفق وأن حدودهم لم ترتسم بعد , بل هي قابلة للإتساع والتمدد كل يوم , فالقوة أساس الثراء, والثروة معيار القوة , هكذا كان البيوريتان يحقنون المستوطنين بجرعات من الاوهام بإدعاء أن ما اضطروا إليه من ممارسة العنف والقتل بحق السكان الأصليين ومثلما كانت المغامرة الأمريكية تبحث عن الفرصة التأريخية , فقد جاءت البروتستانتية لترسم في خيال المهاجرين أحلاما وردية عن الذهب والفضة ومصادر الثراء والغنى حتى إنها شرعنت جرائم القتل التي نفذت بحق السكان الأصليين وعدت عملية الإستيلاء والتوسع في أراضيهم قدرا محتوما فرضته العناية الإلهية , وقد صدق المستوطنون الأولون تلك الأكاذيب والبدع تحت وطأة الظروف القاسية التي واجهتهم وقدرة الزعامات البروتستانتية في تشكيل مدركاتهم وفقا للمفاهيم والأفكار التي تتماشى مع منهجهم القائم على الإحتيال والإستغلال .
علي آل نصر الله الأعرجي



