اراء

صورة وطن .. الإعلام العراقي قبل الموصل وبعدها

1136

مسلم عباس
هل كانت وسائل الاعلام العراقية بمستوى الحرب ضد الارهاب ؟ سؤال شغل بال الكثير من المواطنين والقليل من المختصين ! منذ بداية الحرب ضد داعش، والإجابة عنه كانت تعتمد في أغلبها الى التبسيط الذي لا يستند الى دليل علمي أو حجة منطقية.
انشطرت الاجابة الى فريقين ، هناك من يقول ان الاعلام العراقي نجح في الاسناد النفسي للحرب على الارهاب، ويستدل بذلك على مرابطة الصحفيين مع القوات العراقية منذ اليوم الاول للحرب وليس انتهاء بيوم اعلان النصر، كما يرى هذا الفريق ان مستوى الاقدام لدى الصحفيين يحتم علينا تقديم الشكر والامتنان لهم، وان «الكم» الهائل في التغطيات الاعلامية والمساحة الزمنية المخصصة دليل على النجاح.
ويرى الفريق الثاني ان وسائل الاعلام العرقية فشلت بتأدية واجباتها في مواجهة الاعلام المضاد اولا، وتسويق النصر ثانياً، لان الامكانات المادية والبشرية التي تمتلكها، وخاصة المراسلين المرابطين في الخطوط الأمامية لم تترجم الى تأثير واضح على اتجاهات الرأي العام المحلي والإقليمي، (لان الدعاية الناجحة حسب وجهة النظر هذه لا تقاس بقدرة الصحفي على المرابطة مع المقاتلين في الميدان والدخول الى الخطوط الامامية للمعارك فقط ، ومهمة الاعلام ليس احتلال الارض كما يفعل الجيش بل التوغل داخل العقول، فهو رسالة في النهاية).
ميزان القياس
قبل تأييد أو رفض وجهتي النظر أنفة الذكر يتفق الخبراء والحكومة العراقية ايضا على ان الحرب ضد داعش كانت حربا اقليمية ودولية جرت على ارض العراق، ووظفت الدول مختلف ادواتها للتأثير على مسار الحرب (نفسيا وعسكريا)، وبما ان لكل دولة ادواتها العسكرية والنفسية بحسب حجمها وقوتها، فقد اختلفت موازين الانتصار العسكري والتأثير النفسي (الاقوى يحقق انتصارات اكثر)، والعراق كان ضعيفا في كل المجالات ، فجاءت فتوى المرجعية الدينية لتحقق تفوقا عسكريا بتشكيلات الحشد الشعبي ، لكن الادوات الاعلامية (النفسية)، بقيت نفسها وهي ادوات محلية اريد لها ان تواجه ماكنة دعائية دولية.
في أية عملية تقييم هناك معيار أو ميزان لمعرفة حجم الشيء، وفي تغطية وسائل الاعلام العراقية للحرب ضد داعش تكمن المشكلة في المقارنة من أصلها، فالكفة الثانية لميزان النجاح كانت من الوزن الثقيل على عكس وسائل اعلامنا الفتية، فهل يمكن ان نقارن بين فضائية تلفزيونية محلية برامجية عامة مع وسيلة اعلام عربية أو عالمية متخصصة في مجال الاخبار ؟.
فوسائل الاعلام العراقية منذ عام 2003 وحتى احتلال داعش للموصل اتسمت بالطابع المحلي ، وان حاولت بعض القنوات محاكاة القنوات الكبرى، لكن لم تخرج اية قناة عراقية عن طابعها المحلي، والخطاب الاعلامي العام يتمحور حول الصراعات السياسية والموضوعات الداخلية التي تهم المواطن العراقي، وبالتالي فهي تفقد لمقومات الاعلام العالمي، وهذه ليست جريمة المراسل أو المحرر الذي يرابط مع العسكريين في الخطوط الأمامية انها جريمة الادارات العليا والقيادات في البلد سواء الحزبية أو الحكومية التي لم تعد الذخيرة الاعلامية لمثل هكذا ايام.
وتقول بعض استطلاعات الرأي ومنها الاستطلاع الذي اجرته وكالة المسلة الاخبارية والتي قالت بان الاعلام العراقي فشل في مواكبة الحرب على الارهاب والفساد، بسبب سوء ادارة المؤسسات الاعلامية العراقية وغياب المهنية في العمل، وحتى الذين اجابوا بالإيجاب اكدوا ان مواكبتها كانت لنطاق محدود لا تلبي الطموحات. وسائل الاعلام المؤثرة بالرأي العام هي الشبكات العالمية الكبرى، التي تعتمد على اساليب مبتكرة في عرض مضامينها الاعلامية، وهي بالكاد لا تتجاوز اصابع اليدين، يضاف لها ارتباطها بالدول الكبرى عسكريا أو ماليا، وهذه خاصية مهمة تسهم في زيادة انتشار القنوات الفضائية، وتزيد من حضورها على الساحة الاعلامية. انها تتمتع بمستوى عال من الاقناع، مقارنة بوسائل الاعلام المحلية التي ينظر اليها على انها مكاتب علاقات عامة للجهات التي تمولها، وهي لا تنشر إلا جوانب صغيرة من المعارك بما يتناسب وحجم تطلعات مموليها (السياسيين)، ومن ثم فهي لم تؤثر في الجمهور لدرجة اجباره على الاعتماد عليها، خاصة مع توافر البدائل الدولية التي تقدم صورة اوسع عن الحدث حتى وان لم تكن كاملة بما يكفي لكنها افضل بكثير عن تلك التي تنشرها وسائل الاعلام المحلية.
خطوات مستقبلية
بما ان معيار النجاح لأية مؤسسة اعلامية يقاس بمدى تأثيرها على جمهورها، وبما ان وسائل الاعلام العراقية قد افتقدت هذه الميزة، يمكن القول انها لم تصل الى مستوى الطموح في هذه الحرب، لكن ذلك لا يقلل من قيمة الجهود التي بذلت من قبل الصحفيين الذين كانوا جنودا حقيقيين لنقل ما يستطيعون نقله بأدواتهم البسيطة والدعم المحدود من ادارات مؤسساتهم الاعلامية، ونعتقد ان الازمة التي يعاني منها الاعلامي العراقي، لها ارتباط بالأزمات السياسية والاجتماعية التي يعاني منها البلد، وانعكس ذلك بشكل واضح على وسائل الاعلام لأنه دائما ما تكون المرآة التي تعكس حالة البلد، ومن أجل مواجهة التحديات الاعلامية في المستقبل هناك بعض الخطوات التي لا بد منها لتحقيق فاعلية أكبر لوسائل الاعلام العراقية وهي كالآتي:
اولاً: استحداث مراكز للدراسات الاعلامية، مهمتها تقييم عمل وسائل الاعلام العراقية، وتقديم الرؤى من اجل تشخيص الاخطاء وتوضيح سبل علاجها وإبراز الجوانب الايجابية وسبل الافادة منها.
ثانياً: فتح مراكز للتدريب الاعلامي، اذ من غير المعقول ان لا يخضع الصحفي الى دورات مكثفة بشكل دوري (على الاقل مرة كل عام) ليواكب آليات التحرير الحديثة واستخدام التقنيات الجديدة والتعرف الى طبيعة التطورات المتسارعة في المجال الاعلامي.
ثالثاً: منح مساحة أكبر من الحرية للصحفيين والإدارات الاعلامية، من أجل القيام بوظيفتها بالشكل المطلوب، لا سيما مع ما يتعرّض له الصحفيون من ضغوط من قبل الجهات التي تدعم مؤسساتهم، والتي تهدف الى تحقيق اهداف قد تؤثر على سمعة المؤسسة الاعلامية نفسها، من حيث انخفاض مستوى المصداقية وبالتالي عزوف الجمهور عنها.
رابعاً: العمل على صناعة نجوم اعلاميين أو كسب اعلاميين عراقيين يعملون في مؤسسات اعلامية دولية، ما يدعم مؤسساتنا المحلية ويزيد من اقبال الجمهور عليها.
خامساً: العمل على فتح قناة فضائية عراقية تخاطب الجمهور الخارجي (العربي والدولي)، وما يرتبط بذلك من حيث عدم خضوعها للكثير من معايير اللغة الاعلامية المحلية، بما يسهم في صناعة صورة ايجابية عن العراق توازي حجمه الحقيقي على الساحة الاقليمية والدولية.
سادساً: انشاء وكالة انباء عراقية وطنية تكون مصدرا رئيساً لفهم القرارات التي تصدر من الحكومة العراقية، اذ تفهم الكثير من سياسيات الدول وخاصة في الشرق الاوسط عن طريق ما تعرضه وكالة الانباء الوطنية وهذا ما نفتقده في العراق.
سابعاً: اصدار قانون للإعلام العراقي تحت مسمى «قانون الاعلام العراقي» يركز فيه على حرية «الوصول والحصول» على المعلومات، من مصادرها الرسمية، اذ نرى ان اغلب القيادات العراقية والمؤسسات الرسمية لا تعطي معلومات لوسائل الاعلام العراقية في حين نجد ان الكثير من تلك المعلومات تصل الى وسائل الاعلام العالمية! كما يجب ان يتضمن هذا القانون بنودا محددة تفرض على وسائل الاعلام تعزيز القيم الوطنية العراقية واحترام سيادة البلد.
ثامناً: وضع سياسة اعلامية وطنية محددة بعد نقاشات معمقة من قبل المؤسسات الاعلامية العراقية، تمثل اطاراً عاما للتعامل مع مختلف الاحداث التي تجري في البلد او حتى خارجه، وهذا بطبيعة الحال يفترض ان يتوافق مع استقرار سياسي أو على الاقل اتفاق سياسي بين مختلف القوى الفاعلة من أجل تنحية الخطاب الاعلامي الوطني عن الخلافات الحزبية الجانبية.
تاسعاً: تأسيس النوادي الاعلامية والمهرجانات السنوية من أجل تشجيع التنافس الاعلامي، والانتقال من حالة الجمود التي يعاني من الصحفي العراقي، حيث تحول عمله الى روتين يومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى