ثقافية

في إنتظار الشمس

330

فرحات جنيدي/ روائي مصري

بالقرب من شجرة التين العامرة على نبعٍ للماء العذب جلست الأم تحت شمس الشتاء الدافئ تتأمل وجوه الناس, تحدث نفسها: لا شيء يفرحني في الدنيا كرؤيتي للفرحة يوم العيد في عيون أبنائي, فللعيد حلاوة لا تقاوم. أبصرت عيناها طفلتها الصغيرة يتلألأ النور في وجهها, ويصيب سهام عينيها المبتسمة قلوب المارة, تضحك وترقص وتتطاير كالفراشة, تقبض بين يديها على باقة من الزهور ينبعث منها عطر أخاذ, شكل حولها إخوتها دائرة, ومن خلفهم شكلت دائرة أخرى من جيرانها, ومن خلفهم كانت دائرة ثالثة من المارة, مضى الجميع يصفق ويغنى لها وعيونهم معلقة نحو باقة الزهور, وكل منهم يتمنى أن يحصل عليها أو على زهرة واحدة منها. اخترق الدوائر الثلاث رجل غريب, أصلع الرأس, ذو وجه أبيض مرقع ببقع زرقاء, وعينين صفراوتين, وفم أسود وأسنان حمر وأنف أفطس, قصير القامة طويل الذراعين, كلما اخترق دائرة تُرسم علامات التعجب على الوجوه وتُطرح علامات الاستفهام فهو مجهول للجميع. توقف التصفيق والغناء فتوقفت عن الرقص ونكست يديها بباقة الزهور, مضت تنظر نحو إخوتها وأقاربها وجيرانها في صمت.
اقترب الغريب وأمسك بذراعها وجذبها على الأرض فصرخت فصمت الجميع, ووقفوا كالتماثيل ينظرون إليها من أعلى وهم يهمهمون بكلام غير مفهوم, تزايدت صرخاتها من شدة قبضة الغريب على يدها, فخرج نفر منهم ودافعوا عنها فغضب الغريب وفرد ذراعيه الطويلة وضربهم فتراجعوا, صرخت الأم ونهضت من جلستها أسفل الشمس الدافئة, وأسرعت نحو الغريب وألقت بجسدها عليه, فخلصت يد الفتاة من قبضته. لكن سرعان ما نهض الغريب وأخرج سكيناً وطعنها, صرخت الأم تستغيث بابنائها فلم يغثها أحد, فنهضت تضمد جراحها وقلبها يعتصر على أبنائها الجبناء وابنتها التى أحكم الغريب قبضته عليها. وقبل أن تعود إلى جلستها أسفل الشمس, نزع الغريب عن رأسها حجابها وأخذه وجفف به عرقه, ومضى يضرب الطفلة بشدة, وهو يحاول أن يأخذ منها باقة الزهور, لكنها تقاوم وعيناها تنزف الدمع والدم على إخوتها الذين تركوها ومضوا يلهون مع أطفالهم.
يرقص الرجل منهم ويهز مؤخرته, ويغني الشيوخ, وتضرب الزمر والطبل النساء, بينما الشباب منهم ناموا على بطونهم وهم يأكلون ويصفقون للراقصين, ترغرغت عيناها فانفجر منها نهران من الدموع، فانهمر على وجديها بعد أن سقطت منها باقة الزهور, فتبعثرت، فأسرع إخوتها وجيرانها حتى المارة وأخذ كل منهم زهرة, لكن الغريب أخذ الحظ الأوفر من الزهور, مضى الأطفال مع ذويهم وبقيت الطفلة وحيدة حزينة.
أخذت الطفلة تبحث في عقلها عن أسباب تركهم لها, وعيناها تحكي على أوجاع, وهى تنظر إلى أمها الجالسة أسفل الشمس الدافئة, والتى يعلو من حولها أصوات الأطفال وهم يلهون, وأصوات الأغاني المرحة التي تنبعث من المراكب الصغيرة التي هبطت على النبع العذب, يوم ربح غابرة, وظلت تتراقص في أحضانه, ظلت الأم في جلستها ولم تحركها أمطار الصيف, وغيوم الخريف لم ترها عيناها, والشتاء الساخن, والرصاص المصبوب كان لها كلهو الأطفال في حفل عرس. تزايد الألم في قلب الأم فجمعت قوتها ونهضت وأسرعت نحو طفلتها, ومدت ذراعيها تحتضنها, لكن الغريب وقف كالحائط بينهما ومنعها فصرخت فيه: ألا يكفيك أنك فرقت اخوتها, ومزقت ثوبها, وأخذت باقة زهورها, فهيا اتركها وارحل بما اغتنمت.
ضحك الغريب وقال ساخراً: لا يكفيني باقة الزهور وفرقة إخوتها الجبناء وتركهم لها, ما يكفيني هو أن تصبح هي لي أنا وحدي ملكي, ومن اليوم ستكون سريري وفراشي, وغداً سيكون هذا الشاطئ لي أنا وحدي.صرخت الأم وطوقت رقبة الغريب بيديها حتى كاد يختنق, مد الغريب يده وأخرج حجابها وأعطاه لها, وقال: علينا أن نتفق ولا داعي للعراك معك وأنتِ من دون أبنائك, خذي حجابك وغطي رأسك العارية, وعودي غداً ومعك كل أبنائك, وكما أخذتها من بينكم وأنتم مجتمعون خذوها مني مجتمعين, أخذت الأم حجابها وغطت رأسها العارية, وعادت إلى جلستها على نبع الماء العذب, وصدى صرخات طفلتها في أذنها, جلست تنتظر الغد, غابت الشمس وحل الظلام, وجاء الغد ولم تشرق الشمس, مر عليها وضحك ساخراً, فنكست رأسها فتبول في النبع..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى