دار المسنين .. نتيجة مؤلمة يشترك فيها الآباء والابناء البر منظومة اخلاقية وبذرة يزرعها الآباء منذ الطفولة


تحقيق: صابرين نوري
منذ ان يفتح الوليد عيونه يرى والديه أمامه ، يعطيانه الحب والحنان ويدفعانه الى الأمام بقلبهما وعيونهما ، انهما الشمعة في مسيرة حياته الطويلة، ولقد أوصى بهما الله ولكننا نجد اليوم من يسيء اليهما ناسياً كل ما قدموه اليه حيث يقوم بسبهما أو ضربهما أو التبرؤ منهما ولقد انتشرت ظاهرة عقوق الوالدين في وقتنا الحالي بصورة كبيرة واصبح المجتمع يعاني من هذه المشكلة التي ينتج عنها التفكك الاسري وأبرز مثال للعقوق هو دار المسنين التي امتلأت بالعجزة من الرجال والنساء الذين تركهم أولادهم دون السؤال عنهم، هل للآباء دورا في عقوقهما كاهمال في التربية منذ الطفولة ؟ هل يحق للابناء عقوق آبائهم تحت اية ذريعة ؟ ومن يعق والديه هل يأمن بان لا يبرهُ ابنائه مستقبلا كنتيجة منطقية ؟هذا ما سنجيب عليه في تحقيقنا بعد لقائنا بمجموعة من الاباء والابناء والاختصاص في علم الاجتماع ..
المواطنة ريام جاسم تقول: في أحد الايام زرت أحد أقاربي مع عائلتي ورأيت للمرة الاولى المرأة المسنة التي كنت اسمع عنها دائما وعن سوء معاملتها من قبل ابنها وزوجته .. فعند رؤيتها لنا استقبلتنا بلهفة وكأنها تقول خذوني معكم وعينها يملؤها الحزن .. والمفاجأة ان ابنها يدفعها بقوة لتعود الى مكانها اذ كان مكانها معزولا في زاوية يكسوها الألم وكأن حيطان هذه الزاوية تبكي عن حالها .. طعامها لوحدها كأنها غريبة وليست في بيت ابنها الذي كان يختبئ في احشائها وحجرته حضنها وأمانة بين يديها .. كان الجميع يوبخها بقسوة .. عند رؤيتي لهذا الموقف تمنيت لو باليد حيلة لامد يد العون لها لكن ليس بأستطاعتي فعل شيء ذرفت دموعي من أجل عينيها التي وجدت فيها معالم اليأس والانكسار والخيبة .. قرر الولد العاق التخلي عن والدته بإيداعها في دور العجزة لتعيش ما تبقى من عمرها هناك.
ثامر عبد الله شيخ كبير تجاوز السبعين من العمر تضايقت منه زوجة الابن الأكبر وكانت تحرّض ابنه عليه بعدها اتفق مع اخوته بالذهاب به الى دار العجزة ، مستصحبين معهم والدهم وهو لا يدري أين سيذهب وقالوا له: سنذهب بك إلى المستشفى كي يعالجونك هناك وفعلاً ذهبوا به لكن إلى دار العجزة.. دخل الأب ولم يأتوا له إلا بعد شهر كامل لزيارته .
اما حسن عبد الله فقد توفيت زوجته وبعد وفاتها قام على تربية أبنائه، وعمل على تربيتهم التربية الصالحة، وواجه كل المصاعب في سبيل تلبية كل مطالبهم.. لدرجة أنه لم يتزوج بعد زوجته لئلا يؤثر ذلك على قيامه بواجبه في تربية أبنائه.. وبقي على هذا الحال الى أن قام بتزويج جميع أبنائه.. حينها بدأت المشاكل، حيث أصبحت زوجات أبنائه لا يطقن أي طلب منه… ويسئن معاملته وبعدها قام الأولاد وزوجاتهم بترك والدهم في دار العجزة بعدما انفق عمره على تربيتهم .
يتحدث محمود كريم توفيت زوجتي منذ سبع سنوات بعد ان كافحت معي كفاح الابطال لنربي ابنائنا وبعد ان انهوا تعليمهم وتسلموا وظائفهم وبعد ذلك توفيت امهم واستقل الابناء بمعيشتهم وسافروا ولايسالؤن عني وحين فكرت ان اتزوج انسانة ترعاني حاصروني وهددوني بالقوة انهم لايهتمون بامري ويتطلعون الى مافي يدي ويريدون ان اموت ليرثوني.
ابراهيم حميد يقول لقد رزقني الله بثلاث من البنين وبنتاً ولقد انفقت شبابي في تربيتهم على احسن مستوى وكلهم تعلموا تعليماً عالياً وحينما ذهب كبيرهم الى بعثة دراسية في الخارج كانت فرحتنا لاتوصف ثم اخترنا له عروس وسافرت اليه وبعد عودته استقل بنفسه وباسرته وبدأ يبتعد عنا ويطلب منا الا نزوره اننا لسنا في حاجة اليه لكن يعز علينا ان نراه عاقاً.
وترى الباحثة الاجتماعية ريام محمد ان العقوق الذي ينتشر وبكثرة في اغلب المجتمعات سببه سوء تربية الاهل للابناء وعدم الاهتمام بتعليم اداب الاحترام وبر الوالدين والجهل الذي يعيشون فيه فللجهل عاكس سلبي على ما يعانيه مجتمعنا لهذا اليوم..وكشفت عن خلل يتحمّله الأبناء، ويتمثَّل في الأنانية وعدم النضج وتأثير البيئة المحيطة بهم وضعف الوازع الديني والقيمي لديهم، مبينة أنَّ ذلك قد يعود لعوامل يتحمَّل الآباء جزءاً منها، ومن ذلك التقصير في التربية والاقتصار على الجانب المادي المُتمثِّل في تحقيق وإشباع الاحتياجات المادية للأبناء من تعليم وترفيه ومصروف دون الاهتمام بالجانب الخُلُقي، مبيِّنة أنَّ ذلك قد يرجع لقصور وعي في التربية لدى الآباء، أو بسبب انشغالهم في أمورهم المعيشية على جانب التربية والاهتمام بالأبناء، وبالتالي يشعر الابن بالإهمال.
اما في علاج هذه الظاهرة فهناك عدة امور يجب اتباعها … ومنها اتباع التربية السليمة للابناء وتعليمهم اصول الدين واحكامه المفروضة على كل فرد ومنها بر الوالدين وحسن معاملتهم وتتم تلقيتهم لهذه الامور منذ طفولتهم وحتا نضجهم وايضا دور الاباء في معاملة الاجداد امام الابناء دور مهم للغاية في زرع الطيبة والالفة … وللاشباع المادي والعاطفي ايضا له جانب ايجابي لكي لا يشعروا بالحرمان وكذلك تقوية العلاقة بين الاباء والابناء وثم أن الوالدين يعلما ان العقوق من اعظم البلايا فعليهم التوجه الى الله ومراجعة علاقتهما بالله عز وجل لان البلايا تكون نتيجة معصية الله سبحانه والواجب عليهم التجديد في التوبة وايضا الاكثار في الدعاء للابناء في الهداية الى طريق الحق والصواب .
وتبين الباحثة الاسرية نور المياحي ان عقوق الابناء للوالدين منتشر هذه الايام بكثره وكانه مودة العصر ويرجع هذا التصرف البغيض الى الكثير من الاسباب الظاهرة والخفية منها تقليد المشاهير والفنانين حيث تبث المسلسلات اليومية والافلام الكثير من المفاهيم المغلوطة واللاخلاقية في التعامل مع الوالدين لاسيما انها تبين الابن ضحية وعليه التحرر من ابيه وسيطرته عليه وهجره وعدم السماح له بالتدخل في شؤون الابن خاصة المراهق. ومن ثم فان للاصدقاء التاثير الاكبرعلى الابناء لاسيما في سن المراهقة حيث تنشأ افكار صبيانية لديهم يربطونها باثبات الذات فيعتقد ان عدم طاعته لوالديه ورفع صوته عليهما والبعد عنهما يثبت رجولته وكيانه ويجعله محموداً بين اصدقائه. وكذلك فان للمشاحنات العائلية وانشغال الاب بعمله وعدم تخصيصه الوقت الكافي للجلوس مع اولاده والحديث معهم من الاسباب التي تؤدي الى العقوق
ومن ثم فان عقوق الوالدين انفسهم لوالديهم فهذا من جملة الاسباب الوجبة للعقوق فاذا كانا الوالدين عاقين عوقبا بعقوق اولادهما في الغالب.
وشددت المياحي على اهمية التربية من نعومة الاظافر والحزم اللين في الاوقات المناسبة دون ان يطغي احدهما على الاخر ولكن ان ظهر على الابناء سلوك سي اومايشير الى العقوق في المستقبل فهنا لابد للوالدين من تقوية علاقتهم بابنائهم قدر المستطاع مع ايضاح اهمية تماسكهم وترابطهم مع بعضهم البعض.



