نظام الأسواق بالمدينة العربية الإسلامية في العراق


د. حيدر فرحان الصبيحاوي
بعد التغيير الأساس الذي حصل في نمط الحياة العربية حيث ظهور الإسلام وانتشاره خارج الجزيرة العربية، ألٍف العرب المسلمون حياة الطمأنينة والاستقرار فنشأت عندهم أسواق ثابتة وبخاصة في المدن التي مصروها، فالمراكز الأساسية للحياة العامة في المدن العربية الإسلامية الجديدة هي المسجد الجامع – دار الأمارة – السوق، وهو مركز الحياة الاقتصادية ويظهر هذا التماثل واضحاً في كافة المدن الجديدة كالبصرة والكوفة وواسط وبغداد وسامراء.
كان لكل مدينة سوق رئيس واحد في بداية تأسيسها يقع في وسط المدينة ويتحلق حول المسجد ودار الإمارة، إذ كانت عمارة السوق في بادئ الأمر عبارة عن ساحة واسعة فارغة ويفترش كل بائع الأرض ببضاعته ثم يحمل ما يتبقى منها إلى بيته بآخر النهار فيذكر الطبري:(… والأسواق في غير بنيان ولا أعلام) سوى إن الباعة كانوا يضعون الحصران «البواري» لتظلهم في الأماكن التي يختارونها.
كان نظام الأسواق على سنة المساجد فمن سبق إلى موضع فهو له حتى يفرغ منه حيث يذكر الكليني في أصوله عن رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» أنه قال: (سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل).
سرعان ما تطورت الحالة وأصبحت الأسواق ذات تخطيط بنائي روعي فيه الجانبين العماري والبيئي، إذ إن وجود السقيفة المصنوعة من الحصران أو تشييد حوانيت معقودة بالآجر والجص هو الغرض منها حماية الناس والبضائع من حرارة الشمس والأمطار والعواصف، كما إن وجود أقبية في سقوف الحوانيت هو لإدخال الضوء والهواء اللازمين لمرتادي السوق.
مع إن السوق الرئيس هو سوق واحد أو ما يسمى بالأسواق الجامعة الذي انتشر في كل مدن الدولة العربية الإسلامية الرئيسة كالبصرة والكوفة والموصل وواسط وبغداد وسامراء والذي تجمع فيه عدد من التجار الذين كانت تجارتهم متنوعة، إلا إن العرب اعتنوا كثيراً بتنظيم تلك الأسواق وترتيبها داخل المدن وتصنيفها حسب ما يباع من السلع، حيث تتجمع حوانيت تتعامل بنوع معين من البضاعة في ساحة معينة من السوق فكانت هنالك سوقاً للحبوب وسوقاً للملابس وسوقاً للنسيج وسوقاً للعطارين وسوقاً للصفارين وغيرها وسوقاً لبيع الخيل في مواسم معينة من السنة كما هو الحال في مدينة واسط .
نرى في هذا التنظيم الداخلي للأسواق أبعادا بيئية جديرة بالملاحظة حيث إن الغرض من تصنيف نوع معين في مكان معين هو لمنع الضرر الذي يحدثه اختلاط المواد مع بعضها مما يؤدي الى فسادها، كما إن هناك بعض المواد تمتاز بخاصية بث روائحها الى مواد أخرى مما تكسبها رائحة تلك المادة، وكذلك تفادي المشاكل البيئية الناجمة عن الصناعات والحرف. وكان هذا التنظيم تحت أشراف المحتسب والتي كانت من واجباته حماية البيئة بكل مكوناتها من مسكن وماء وهواء وغذاء ولباس ونظافة بشكل عام واتخاذ التدابير التي تساعد على توفر بيئة أمينة نظيفة تتوفر فيها كل الشروط التي تحافظ على صحة الإنسان.
ثم إن لإدراك العرب المسلمين الأهمية القصوى في تخصص كل سوق ببيع صنف واحد من البضائع من الجانب البيئي فقد ظهرت أسواقً أخرى متخصصة احتلت أماكن غير أماكن السوق الرئيس في المدينة، والمتتبع يلاحظ إن عدة أسواق قد شيدت بالبصرة أختص بعضها ببيع أنواع معينة من السلع، ومنها سوق للعطارين، وسوق للطعام، وسوق للغنم، وسوق للقصابين، وسوق للقداحين وكان ذلك منذ السنوات الأولى من بنائها، وكذلك سوق الزيادي التي يباع فيها الغلالة، فضلاً عن الأسواق في المربد والكلاء إذ كانت تباع منتجات الصحراء في المربد والطعام وما يتصل به في الكلاء، ويذكر المقدسي في أحسن التقاسيم إن في أواخر القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي كانت في البصرة ثلاثة أسواق كبيرة هي سوق الكلاء على النهر، والسوق الكبير، وباب الجامع، وينقل لنا ناصر خسرو عن البصرة الذي زارها سنة (443ه/ 1051 م): (وينصب السوق في البصرة في ثلاث جهات كل يوم، ففي الصباح يجري التبادل في سوق خزاعة، وفي الظهر في سوق عثمان، وفي المغرب في سوق القداحين) ويتبين لنا من خلال النص السابق إن هناك ثلاثة أسواق يبدو أنها في جهات مختلفة والذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن كل سوق متخصص بنوع من السلع المتشابهة.
كما إن مدينة الكوفة هي الأخرى جعل لكل سلعة سوق خاصة فوجد سوق للقلائين، وآخر للنحاسين، وثالث للجزارين، ومن الأسواق المتخصصة المعروفة في الكوفة سوق الزياتين الذي كان يوفر الوقود المستخدم في الإنارة لأهل المدينة وكذلك حاجات بلاد الشام.
نجد هذا التخصص في الأسواق معروفاً في مدينة الموصل حيث كان هناك سوق القتابين وسوق الشعارين وسوق السراجين وسوق البزازين وسوق الحشيش وسوق الدواب.
أما واسط فيذكر لنا بحشل عند وصفه لسوقها فيقول:(وأنزل أصحاب الطعام والبزازين والصيارفة والعطارين عن يمين السوق …. وأنزل البقالين وأصحاب السقط أي الذين يبيعون على الأرض من السقوط أي الجوالين وأصحاب الفاكهة في قبلة السوق …. وأنزل الخرازين والصناع من درب الخرازين وعن يسار السوق الى دجلة، وقطع لأهل كل تجارة قطعة لا يخالطهم غيرهم). عندما توسعت مدينة بغداد وتطورت فيها الحياة الاقتصادية وتطلب الأمر الانتقال إلى الكرخ عندئذ أصبحت الأسواق منظمة بشكل جعل لكل تاجر وتجارة شارعاً معلوماً لا تختلط به تجارة بتجارة ولا يباع صنف من السلع مع غير صنفه، وفي إشارة لليعقوبي في حديثه عن أرباض مدينة بغداد في القرن الثالث الهجري أنه في ربض وضاح أكثر من مئة حانوت لبيع الورق ويضيف أبن الجوزي إن سوق الوراقين في بغداد هي سوق كبيرة وهي مجالس العلماء والشعراء.
فضلاً عن تلك الأسواق كانت هناك أسواقً أسبوعية تقام في أيام معينة من الأسبوع مثال ذلك سوق بشرقي بغداد يقام كل يوم الثلاثاء ولذلك سمي بسوق الثلاثاء.
لعل شروط المحتسب ومنعه كل الممارسات التي من شأنها الأضرار بالأسواق كان له دوره في حفظ البيئة الجيدة للأسواق وديمومة نظافتها حيث نقرأ في كتب الحسبة باب منكرات الأسواق شروطاً كثيرة منها: اشترط عدم الجلوس في طرقاتها، ومنع المحتسب إخراج مصطبة دكان عن سمت أركان السقائف الى الممر الأصلي لأنه يضيق على المارة، فيجب على المحتسب إزالته والمنع من فعله لما فيه من ضرر على الناس، ومنع أيضاً طرح الكناسة «الأزبال» على جوانب الطرق أو تبديد قشور البطيخ، وكذلك منع إرسال الماء من المزاريب المخرجة من الحائط الى الطريق فإن ذلك ينجس الثياب ويضيق الطرق، وكذا ترك مياه المطر والأوحال في الطرق من غير كسح فذلك كله منكر، وليس يختص به شخص معين فعلى المحتسب أن يكلف الناس بالقيام بها، كما منع دخول السوق أحمال الحطب والتبن وشرائح السرجين والرماد وأحمال الحلفا والشوك وأشباه ذلك من الدخول الى الأسواق إلا بقدر حاجة أهل البلد إليه بعد ربطها وضمها لما فيه من الضرر كما أمر حاملي الحطب والتبن والبلاط والكرنب واللفت والبطيخ والقرطم إذا وقفوا في العراص أن يضعوها عن ظهور الدواب لأنها إذا وقفت والأحمال عليها أضرتها وكان ذلك تعذيباً لها وقد نهى رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة، ويأمر أهل الأسواق بكنسها وتنظيفها من الأوساخ المجتمعة وغير ذلك مما يضر الناس لأن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: «لا ضرر ولا ضرار».



