المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.
الحلقة الثالثة
أبدأ بأرجحة الكرسي الأسود الجلدي مُظهرة فرحتي بهذه الحركات، فيسألني هادي «أيّة أسرار هذه»؟ فأقترب منه وأهمس بفخر «ادخار أمّي المال لتشتري كتباً دون علم والدي». وأهزّ برأسي مؤكدة كلامي بهذه الحركة التي تجعل هادي يبتسم ويربّت على رأسي بلطف ومحبة سائلاً إياي: «كم عمر والدتكِ يا رحيل»؟ أعود لأحرك الكرسي حركة دائرية كأنّني في مدينة ملاهٍ «أعتقد ثلاثة وثلاثين فهي تكبرني بثماني عشرة سنة. هكذا أخبرتني، لأنها يوم ولدتني كانت قد أنهت تقديم امتحانات الثانوية العامة التي قدّمتها رغم أنف أبي، أخبرتني أنّها نجحت تلك السنة بتفوق. قالت لي بمعدّلها تستطيع الالتحاق بكلية الطب. والدي لا يهمه الطب وسواه. جلّ ما يريد ذكوراً يحملون اسم العائلة الآيلة للانقراض حتى أنا لم يرغب بوجودي، كلّ ما أراده ذكوراً فقط». أتذكّر أنّني دعوت الله ليلاً ونهاراً وقلت له «سأقبّل قدميك يا رب وأعدك أنني لن أعود للتلصّص مجدّداً ولن أراقب الناس بالخفاء أبداً من الفجوات والشقوق إن وهبت أمي صبياً خامساً». حينما كانت حاملاً بالمولود الأخير كنتُ بعمر العاشرة، وكان أصغر إخوتي لم يبلغ العامين بعد. ولأن الله يعلم بأنني سأنكث بوعدي فلا طاقة لي ولا صبر على الابتعاد عن هذه العادة السيئة، لذلك أعتقد أنّ الله وهب والدتي صبيّاً مختلفاً مميّزاً ردّاً على وعدي المنكوث مسبقاً. لم يبدُ كباقي أخواني، عيناه مختلفتان ويداه ورقبته، حتى نموّه كان استثّنائياً. لم يمشِ باكراً كباقي الأطفال. طريقة كلامه مختلفة. علمت بعد ذلك أنّه (داون سيندروم)، أو كما يُقال طبياً متلازمة داون، التثلّث الصبغي واحد وعشرون، أو كما تقول نساء الحي (طفل منغول). وهذا الاسم ترفضه وتمقته أمّي، تنفجر غضباً وهي التي لا تغضب أبداً حين يُطلِق أحد ما هذا الاسم عليه، فتبدأ بالشرح والتفسير وإعطاء المواعظ والنصائح. حين تتكلّم أمّي عن (يوسف المميّز) تُشعِرك أنها حورية سماوية تبشرك بجنة على الأرض اسمها (يوسف المميّز المختلِف الاستثنائي). فرضت على الحي بأسره أنّ يحترموا أخي يوسف ويعاملوه معاملة إنسان طبيعي. تجعلك تشعر بأن يوسف ملك الحارة بأناقته ونظافته وذكائه.
حين آخذ الكتب لوالدتي تسرع بفتح آخر صفحة من كلّ كتاب لتقرأ ما كتب هادي عليه، فهو حيناً يكتب قصيدة وأحياناً كلاماً لطيفاً. لم أفهمما يكتبه، ولكن أحسّ بأن أمّي تبتسم ابتسامة ذهبية نادراً ما أراها. تزداد فرحتي حين أراها تقرأ ما قد دوّنه هادي. أتخيّلها ترقص على غيم وتضحك مطراً خفيفاً يرتوي قلبي به. وجهها ذو السحنة السمراء الموردة يُشرق قمحاً حين تدخل في مواسم الكلمات التي زرعها هادي في الصفحة الأخيرة من الكتاب. لم تورثني أمي لونها القمحيّ الجميل ولا عينيها الغجريتين ولا حتى طولها الباسق. كلّ ما ورّثتني إياه أنفها الصغير الذي يشبه حبّة الكرز الناضجة. لم أملك جسداً مشدوداً ولا صدراً جميلاً ولا حتى أردافاً متناسقة مثلها. لم أكن أشبه إلّا والدي بصغر عينيه وقامته القصيرة وعينين لا تحدّهما رموش، على الرغم من ذلك أحبتني. أحمد الله أنّها لم ترني كوالدي أو تشمئز من هذا التشابه الذي يذكّرها بوالدي.على الرغم من كلّ مآسيها أراها منتصرة دوماً. أعشق انتصاراتها على الألم. أن تكون منتصراً وحيداً خير من أن تكون منكسراً. فالمنكسرون يشبهون الزجاج المبعثر يؤلِمون مَن حولهم. وحدها كانت كبلورة زجاجية ترى داخلها كلّ ألوان الفرح وتعكس لك كل جميل.
حين أغادر مكتبة هادي أشكر لطف استقباله لي قائلة «كلّ الطرق موحشة، وأنت درب الغابة المفرحة المزهرة لوالدتي». لا أعلم من أين تأتي هذه الكلمات الجميلة التي أودّع بها هادي في كلّ مرّة. يبدو أنني حفظت شيئاً مما دوّنه على أغلفة الكتب لوالدتي.
الآن
صديقي عارف ينتظر دوماً انتهاء المحاضرات الجامعية ليوافيني إلى المقهى، حيث نجلس في ساعات الفراغ ننتظر المحاضرات التالية، نرتشف القهوة والنسكافيه وندخن بعض السجائر. «هل تعلم أنّي أكره التدخين»؟ وضع فنجان القهوة على المنضدة، وقال «إذاً أنتِ تنفقين المال سدى. لذّة التدخين أنّ تعشقي كلّ رشفة وتقدّرين عبثّية الاحتراق التي تهبكِ إياها السيجارة، وإلّا لِمَ ندفع مالاً ثمن موتنا البطيء»!أهزّ برأسي معلنة موافقتي لما يقوله عارف فهو نادراً جداً ما يتفوّه بكلام فلسفي جميل، ونادراً ما يتكلّم أساساً، تُعجبني تعاسته الدائمة التي تجعله ينصت لي ويقدّر كلامي، لذلك حين يبدأ بالكلام فهو ينطق درراً «تعاستك يا صديقي تذكّرني بموت الذاكرة، كلتاهما تبهجني فذاكرتي التي أتمنى موتها أؤرخها على أوراق أفرح حين أواريها في الثرى وأطمئن من أن كلّ ما أكتبه ينتقل منها لمثواه الأخير في دفتر لن أعود له يوماً إلاّ لأقرأ الفاتحة لأرواح ما كتبت، وتعاستك كذلك تُخرج آخر ما تبقى لي من ذاكرة حين تجالسني هنا وأنت مرتدٍ هذه الخيبة بصمت الموتى». نظر إليّ بعينيه الحائرتين كورق خريفيّ يتساقط ولا يعلم أين سيهمي. «ساعديني كي أتخلص من تعاستي وإلاّ لمَ تدرسين علم النفس»؟ حاولت إطفاء لفافة التبغ التي أحملها مرغمة فقط لمجاراته «يبدو أني سأخترع قواعد جديدة لعلم النفس، ليترك العالمُ الآخرين بتعاستهم وأمراضهم وعقدهم بسلام». يأخذ عارف السيجارة مني ليكملها «قبل أن تبدئي بإسدال عتمة أفكاركِ تأكدي أنّه قد علق شيء مما درستِ لتوضحي أفكارك المميتة أكثر كي لا تخفقي في اجتياز هذا النفق الغريب». أتابع قائلة: «تذكّرني بأخي يوسف كلاكما تنطقان بكلام غير مفهوم، ولكن أنا الوحيدة التي أفهمكما». ينظر نحوي بتهكّم «منحة إلهية لكِ نحن إذاً»! أقف وأتابع كلامي «ألن تأتي معي»؟ يقف عارف وهو يحمل كتبه ودفاتره من دون أن يسألني إلى أين. يبدو كظلّي تماماً يفعل ما أفعله من دون أن يعارضني. وأتابع حديثي لأشرح له..
ـ سنذهب لمكتبة هادي مشياً على الأقدام، فأنا لا أملك المال الكافي هذا الشهر.
ـ ألم تملّي من الذهاب أسبوعياً لزيارة هادي؟
ـ هادي ومكتبته من طقوسي الخاصة، العادة التي لم أتخلّص منها.
ـ خمس سنوات لم تكن كفيلة أن تُنسيكِ هادي؟
ـ لست أنا مَن يحتاجه هو بحاجة لي.
ـ ما زلت مصرّاً على رأيي، هادي صاحب أرقى أنواع التعاسة، يفوقني بذلك.
ـ هل أصبح للتعاسة درجات، أيها الكئيب؟
ـ ربما حين أبلغ عمره سأكون قد وصلت لمستواه أو حتى تفوّقت عليه.
ـ حسناً يلزمك عشر سنوات، خلال هذا الوقت يكفيني بما تتعسني به من كآبتك.
ـ ليتني أمتلك والدة كوالدتكِ، ربما حينها كنتُ سأجدُ مَن يواسيني. لقد نفد كلّ شيء ولم يتبقَّ في هذه الحياة سوى كتب ولفافة تبغ وصديقة متلصّصة ستخترع علم نفس جديداً يساند حبي لتعاستي.
عارف اليتيم الذي تنقّل من بيت إلى بيت ومن مأساة لأخرى كفيل بأنّ يجعلني أرى كلّ ما عشته محضَ سعادة إذا ما قارنته بما مرّ به هذا الشاب.
ـ رحيل ما الذي جعلك تصادقين أتعس طالب في الجامعة؟
ـ لهذا قصة طويلة لن أبدأ بسرد الحكاية لك الآن، فالمشي على الأقدام يرهقني أريد الاحتفاظ ببعض الطاقة. أمامنا نصف ساعة من المشي وهذا بحدّ ذاته مُضنٍ.الحل الوحيد لأتهرّب من هذه الإجابة أن أختلق ألف عذر في كلّ مرّة يلقي عليّ هذا السؤال. بات يعلم بأني أتهرّب ولكن تكرار السؤال يريحه قليلاً. أشعر أن هذا صراخ وليس استفساراً، فليصرخ كثيراً ليرتاح. جوابي لن يريحه أبداً،لذلك أتعمّد أن أجعله يلقي بصراخه ليردم الحفر العميقة في روحه. حتى روحه أستطيع التلصّص عليها بمجرد أنّ أركز على حركات يديه ونظرات عينيه. لذلك أرجئ الإجابة دوماً علّه يُخرج آخر ما تبقى له من صرخات مؤلمة تنتابه كصداع دوماً.
نسلك زواريب ضيقة بين الحارات لنصل للمكتبة. في كلّ حارة أنظر يميناً وشمالاً علّني أرى رحيل أخرى بعمر الخامسة عشرة تتلصّص عليّ لأقف وأخبرها أنّ مراقبة العالم ستزيد من همّ قلبكِ، لأؤنّبها وأقول لها ادخري طفولتكِ فالصقيع القادم سيقضم من روحكِ. ولكن لا أثر لرحيل أخرى متلصّصة. يبدو أنني الرحيل الوحيدة في هذا الكون، لو كان لي واحدة أخرى لتقاسمت الهمّ بيني وبينها.
ـ عارف أ لن تعتزم مقاسمة تعاستك مع الأوراق والقلم؟ كلّما كتبت ما عانيته طوال عشرين عاما تضاءل هذا الشعور.
ـ بعد استشارة مطوّلة مع تعاستي قرّرت ألا أفارقها.
طريقة المشي التي يعتمدها عارف تدل بوضوح على نفسيته المتقوقعة. يضع يديه النحيلتين داخل جيبَي سرواله مطأطئاً رأسه للأسفل، يركل كلّ شيء قد يراه أمامه. جسده الهزيل الذي عانى من التعذيب والضرب المبرح لا يقوى على الهرولة بل تجده يجرّ قدميه بتثاقل. ينظر دوماً بنظرات حائرة. بؤبؤا عينيه لا يهدأان متحركين يميناً وشمالاً. أكثر ما يلفتني أنفه الضخم. أتساءل دوماً هل ورث هذا الأنف من والده أو والدته «يا للهول هل هناك امرأة بهذا الأنف الضخم؟ أحمد الله أن والدتي أورثتني هذا الأنف الجميل. تكفيني هذه المنحة الرائعة منها».بدأت معاناة عارف حين أخذته جدّته لدار الأيتام بعد الحريق الذي أودى بحياة الكثير من العمال في أحد المصانع ومن بينهم والداه. لم يرغب أحد من عائلته أن يعتني به. كلّ منهم لديه ما يكفيه من الأفواه الجائعة ومتطلبات الحياة وهم الفقراء المعدومون. كان مرفوضاً من الحياة برمّتها، حتى من العائلة التي تبنته، ذاك الأب الرافض لخيار التبنّي بسبب عقمه،لكنه مجبر على تبنيه لإرضاء زوجته، فهو العقيم والأضعف. لذلك لا بد من أن يرضخ ليُبقي على زواجه. امتثل لأمر زوجته مرغَماً وتبنى صبياً. رفضت زوجته تبني فتاة، فهي ستكبر يوماً أمام ناظريه وربما قد يضعف أمامها. وجود فتاة أمام رجل حتى لو كان والدها بالتبنّي أمر غير محمود في تفكير المرأة وعقليتها.
عارف أصبح الطفل المطيع جداً لوالدته الجديدة، ولكن رفض الأب الجديد بدا واضحاً، إن كانت الزوجة تفكّر بأمرٍ مماثل، فإذاً يحق للزوج بالتفكير العكسي أيضاً. يوماً ما سيغدو في بيته شاب غريب، لذلك بات عنيفاً معه يضربه ويؤنبه وأحياناً بغياب الزوجة يحبسه في غرفة صغيرة بلا إضاءة كنوع من العقاب على أقل أمر قد يقترفه سهواً. خمس سنوات قضاها عارف بدت كابوساً رهيباً وتمنى لو أنّ يداً تمتد لتوقظه من عذابه. الأمر الذي جعل عارف يفرّ من البيت ويهرب للشارع، حينما بدأ الأب المتبني يتحرّش جنسياً به. هذا لم يخطر ببال الزوجة حين أتت بصبي يتيم مطمئنة إلى أنّ فتاة لن تنافسها على زوجها. لم تعرف أنّ الشّاذين مرضى القلوب لا يقف بطريقهم أي عائق يحول دون تفريغ قذارة قلوبهم وأنفسهم لتلويث وتشويه براءة ما يحيط بهم.الحياة مشيدة على هياكل الأكثر قدرة على التحمل. إن قُدّر لعارف أن يكون هيكلاً لكان قلعة هذا الصبر، فهو حين يحدثني عما مرّ به أجزم أنّه يختصر الكثير ليس رفقاً بقلبي، ولكن لأنه يملّ من سرد الأوجاع. لا تؤلمه الذكريات، ولكن يحبّذ الصمت فهو يميل للهدوء، يقتله ضجيج الحروف والترهات التي يتلفظ بها الآخرون، إلاّ أنا، يعشق الاستماع لي، أعتقد أنّ أسلوبي بسرد القصص والأخبار يبهره خاصة أنني أستعمل كلّ جسدي حين أنطق، فأنا أحرّك يديّ وتعابير وجهي كثيراً بطريقة تثير انتباهه. وجه الخيبة لا يفارقة والقلق والتعاسة وكلّ مفردات الوجع صارت رفيقة دربه، حين تعارفنا كنت أشعر بزفير وشهيق قلبه الذي عادة يتنفس القليل من الراحة. للأمان شهقة الحياة يمكنني أن أشعر بها حين أكون برفقة عارف.



