اراء

الثقافة والشباب والإرهاب

4725

بقلم فرحات جنيدى
الكل يتحدث عن أزمات النشر بوزارة الثقافة وأنا لا أنكر أن هذا الحوار شدني ودفع فضولي للبحث فلم أجد وجود أزمة كما يشير الجميع ويكفيني أن أشير إلى أن الأشهر الماضية شهدت نشر عشرات الكتب في أكثر من سلسلة بوزارة الثقافة لكن مع الأسف لم تكن لمبدعين بل كانت لموظفين بالوزارة هذا بجانب طباعة ونشر كتب لعدد من المقربين من السيد الوزير أو السيد المدير في حين أن كل أعمال الشباب الذين تقدموا للنشر لم يهتم أحد بها إلا عدد محدود تم الإعلان عن الموافقة عليه وتجهيزه للنشر , وهذا العدد المحدود هو مجموعة الأعمال التى فازت فى مسابقة النشر الإقليمى والتى تدخل المجاملات فى اختيارها أما العدد الكبير الذى تقدم للهيئة العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة إلى آخره لم يهتم به أحد لأنه بكل صراحة ليس لهم ظهر يحميهم من منظومة الفساد الإدارى داخل الوزارة أو يدعمهم ويصل بإبداعاتهم للجمهور حتى أن المساحة المخصصة لهم فى المجلات والصحف والدوريات التى تصدرها الوزارة تم تخصيصها للذين دخلوا الحظيرة مبكرًا فانتشر هذا الشعار بين شباب الأدباء « اللى مستنى النشر من الدولة زى اللى مستنى العسل من النملة « وأصبح الفيسبوك هو الملجأ الوجيد لشباب الأدباء . لا يمكن أن تظل وزارة الثقافة بمنأى عما يجري في مصرعموماً من السياسة إلى الاقتصاد إلى الإرهاب والعنف المنتشر فى ربوع مصر ‏وخاصة أن حال مصر اليوم يسير من سيء إلى أسوء . ونريد هنا أن نتطرق فقط لحال الثقافة والكتاب في مصر فلقد كانت وزارة الثقافة المصرية من أهم دور النشر العربية ‏ولا زال الكُتاب العرب الذين نلتقيهم يشيدون بإصدارات الوزارة ويسألون عنها , ‏وباختصار شديد لمن لا يعرف وضع الوزارة نقول له لقد أصبحت وزارة الثقافة أشبه بجزيرة ‏مستقلة عن محيطها هذا بجانب تدفق جيش المنتفعين الذى احتل جزيرة الوزار. إن الشباب فى تلك المرحلة المظلمة يعانى من قلة التوجيه الثقافي وقلة الدعم الأدبي , فالشاب المصرى اليوم لا يجد من يدعم إبداعه وينشر نِتاجه الثقافي والفكري إضافة إلى أن دور النشر والطباعة تفرض على الكاتب مبالغ طائلة لطباعة ونشر إنتاجه الأدبي وهذا ما يدفع الشباب الذين لا يملكون جهة داعمة إلى النشر بالمجان على الفيس بوك وعلى الفيس بوك لا يجد الشباب غير الأصدقاء الغير مؤهلين لتقييم العمل الإبداعى فيكتفي المبدع الشاب بلايك أو كلمة مجاملة من الأصدقاء . كل عاقل يعلم أن الثقافة قادرة على تعرية فكر الإرهاب لأنها تحمل في مضمونها فلسفة عميقة واتساع أفق مما يجعل المثقف أكثر إدراكاً لما يحمله هذا الفكر من سلبيات ستنعكس على وطنه وعلى نفسه مستقبلا , فأي بلد يهتم بالثقافة سنجد أفراده يهتمون بقضايا أشمل وأعمق بعيدًا عن الفكر التطرفي الذي يعود بالمجتمع إلى الوراء ويبعده عن المشاكل الحقيقية التي يعاني منها اليوم في حياته اليومية وللثقافة الدور الفعال والكبير في تغيير الأفكار وتثقيف الشباب وتوعيتهم ، فمن خلال الأنشطة والندوات الثقافية وتنشيط الأعمال المسرحية والإبداعية يمكن إظهار الأضرار التي تترتب على التطرف والإرهاب وكشف أفكار من يتبنى هذا الفكر التكفيري والأخطار المترتبة نتيجة تبني هذه الأفكار فعندما تحدث أية أعمال إرهابية من تفجير أو تخريب فإن المتضرر الأكبر هم عموم المواطنين الذين يحرمون من الأمن والاستقرار ومن العيش الكريم ويُحرمون أيضاً من الخدمات نتيجة مثل هذه الأفعال , ولهذا فلابد للمثقف أن يعي دوره في توعية المجتمع وتنقية أفكاره من كل فكر متطرف ونشر قيم التسامح والتعايش والقبول بالآخر . وفى النهاية لا أملك غير أن أقول للحكومة وللجميع أنه حان الوقت الذى يجب أن يعترف فيه الجميع بأن الشباب هم مقياس تقدم الأمم وتأخرها ومعيار رقيها وانحطاطها ، والواقع اليوم مع الأسف يشهد قلة اهتمام من الحكومات والمؤسسات بأعظم ثروة عندها وهي الشباب ، فالنتاج اليوم وكل يوم نجد بأنه نتيجة أعمال فردية مرتجلة لا يسبقها تخطيط واضح وعمل مترجم ورؤية مستقبلية ناضجة ، وأنا بهذا الحكم لا أنكر بروز بعض الجهود المبذولة في خدمة الشباب إلا أن ذلك يعتبر نقطة في بحر مما يجب فعله لهذه الثروات القوية التي تتجدد بتجدد الأيام والأعوام , فلابد من دعم الشباب والعمل المتواصل لرفع المستوى الفكري لهم وإقامة فعاليات أسبوعية نوعية في مختلف المجالات تتحدث عن المواضيع التي تهم المواطن ومن بينها مخاطر التطرف والإرهاب بمشاركة العديد من شباب الأدباء والمثقفين بجانب كبار الأدباء والساسة والعلماء , ومن هنا تكون البداية الحقيقية لتقديم نخبة جديدة لديها القدرة على مواجهة التطرف والإرهاب من خلال التثقيف ونشر الوعي بين أوساط المجتمع وكشف حقائق ومخاطر هذا الفكر الضال الذي يحرق الأخضر واليابس ويعود بالمجتمعات المتحضرة إلى أتون عصور الظلام ويكشف عن الوجه السيئ في مصادرة الأفكار والإبداع والرأي الآخر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى