الطرق المثلى لتدبير المعيشة
الاستراتيجيّة بمعناها الشامل، تعني: القواعد والخطوات العامّة والطرق التي يجب اتّباعها، لتسخير شتّى الأمور السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والعسكريّة، وغيرها، من أجل تحقيق أهدافٍ معيّنةٍ مخطّط لها مسبقاً.والاستراتيجيّة في المعيشة، تعني اتّباع برامج محدّدةٍ وقواعد معيّنة، لاستثمار المصادر المُتاحة خير استثمارٍ، بغية التمكّن من تحقيق الأهداف المعيشيّة البعيدة الأمد والقريبة الأمد بشكلٍ أمثل.أمّا استراتيجيّات تدبير المعيشة، فهي: البرامج العامّة التي من خلالها تتحقّق الرفاهيّة النسبيّة، والطمأنينة، والضمان الاقتصاديّ، وغيرها من الأهداف المعيشية.. وذلك لا يحصل إلا في ظلّ إدارةٍ رصينةٍ. وسنشير في الكلام الآتي إلى أهمّ هذه الاستراتيجيّات:حتى تكون مدبّراً ناجحاً لا بدّ لك من تنظيم وإدارة أوقاتك، بحيث يُؤدَّى كلُّ عملٍ في الزمان والمكان المناسبين، فالمدبّر الكفء: هو الذي يُراعي النظم والانضباط في عمله، ولا يُوكِل عمل اليوم إلى غدٍ، والإنسان المتديّن يؤمن بأنّ كلّ يومٍ يتطلّب عملاً خاصّاً به، وقد أكّد الإمام عليّ عليه السلام هذا الأمر بقوله: «فِي كُلِّ وَقْتٍ عَمَلٌ».فجميع النشاطات التي يُمارسها الإنسان لتوفير معيشته، والخدمات التي يُقدّمها للمجتمع، وتوزيع الأعمال بين أفراد الأسرة الواحدة، وتنظيم الوقت لاستثماره بشكل كامل بكلّ خير ومصلحة، كلّها أمورٌ تنطوي تحت مبدأي النَّظم والانضباط، كما كان يفعل أئمّتنا المعصومون عليهم السلام،كما أنَّ اتّصاف الإنسان بالنّظم والانضباط في تكاليفه المُلقاة على عاتقه، يُحفّزه على السعي لأدائها، ويُجنّبه اللامبالاة، كما يُمكّنه من الوفاء بالتزاماته ووعوده في أوقاتها المحدّدة،إنّ التخطيط لمختلف شؤون الحياة الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، يُعدّ من أهمّ أساسيات التدبير في المعيشة.فالفرد أو العائلة أو المؤسّسة التي تفقد حسن التدبير والتخطيط الصحيح في برامجها المعيشيّة، سوف تُحرَم من الخير. قال الإمام عليّ عليه السلام: «أيُّهَا النّاسُ، لا خَيرَ فِي دُنيا لا تَدبِيرَ فِيها».والتخطيط بشكل عام يمكن أن يكون متوسّط المدى حيث إنّ النشاطات في هذا البرنامج، لا يتجاوز سنةً واحدة,وإنّ مشورة الآخرين ومعرفة آرائهم تُعدّ من أساسيات التدبير في جميع المستويات الفرديّة، والعائليّة، والاجتماعية. ومهما كان الإنسان عبقريّاً، فإنّه لا يستطيع أن يُدرِك زوايا الحياة كافّةً، وأن يُحيط بجميع مشاكل المعيشة.لقد حظيت مسألة المشورة بأهمّيّةٍ بالغةٍ في التعاليم الإسلاميّة، فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رغم امتلاكه قدرةً فكريّةً كبيرةً تؤهلّه لتسيير الأُمور وتصريفها من دون حاجةٍ إلى مشاورة أحد، نجده يشاور أصحابه في أُمور المسلمين العامّة التي تتعلّق بتنفيذ القوانين والأحكام الإلهية..ثمّ إنّ استشارة الآخرين ومعرفة آرائهم، تعني مشاركتهم في عقولهم، وتوسعة أُفق اتّخاذ القرار، الأمر الذي أكّده الإمام عليّ عليه السلام في قوله: «مَن شاوَرَ الرِّجالَ شارَكَهُا فِي عُقُولِهِا»وهناك فائدةٌ أُخرى للمشورة، تكمن في أنّها خير محكٍّ لمعرفة جواهر الآخرين، والعلم بما يكنّونه للمستشير، من حبٍّ أو كراهيةٍ، وولاءٍ أو عداءٍ، ولا ريب في أنّ هذه المعرفة تُمهّد سبيل النجاح,وللمشورة فوائد جمّة في حُسن تدبير المعيشة، فهي تحول دون تكرار العمل وتحول دون وقوع أخطاء لا تُحمد عقباها، وتُمكّن الإنسان من استثمار تجارب الآخرين وأفكارهم في قضايا المعيشة. وتُجنّب الإنسان الملامة والندم حيث تصون الإنسان من خسائر فادحة وتُجنّب الإنسان الديون التي لا مسوّغ لها، أضف إلى أنَّها تمنع بعض القرارات الطائشة التي تُتّخذ لأسبابٍ عاطفيّةٍ محضة، ترفع من المستوى المعيشيّ للإنسان.وقد حثّ الله عزّ و جلّ عباده على العمل الدؤوب والجهد الحثيث، وذمَّ التكاسل والبطالة، ونستلهم من ثقافتنا الدينيّة أنّ النشاط والعمل ضرورةٌ من ضرورات الحياة التي لا يمكن التخلّي عنها بوجهٍ، فالمجتمع الذي يسوده الكسل، وتنتشر فيه البطالة، سوف تتزلزل أركانه. كما نستوحي منها ضرورة اشتراك جميع أبناء المجتمع في الجهد الإنتاجي بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، وكذلك وجوب تحمُّلهم مسؤولية ما فرضته عليهم الشّريعة العادلة من تكاليف. لذلك، فإنّ الكسل، والبطالة، والحياة الاتّكاليّة، هي أُمورٌ ذمّتها تعاليمنا الدينيّة، وقبّحتها أشدَّ تقبيحٍ، بل لُعِن مَن يتّكل على الآخرين، حيث قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: «إنّ اللهَ لَيُبغِضُ العبدَ النَّوّامَ، وإنّ اللهَ لَيُبغِضُ العبدَ الفارِغَ».



