اراء

هل تجدي سياسة «تقبيل اللحى» نفعاً مع ترامب ؟

4227

بقلم ماجد حاتمي
يدعي الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي والمقرب من الاسرة الحاكمة في السعودية ان تحليلاته وتوقعاته عن السياسة السعودية قريبة من الواقع ، وفي مقال كتبه مؤخرا حول الزيارة التي قام بها ولي ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان الى امريكا ولقائه بالرئيس دونالد ترامب ، قال عشقي ان تلك الزيارة “ستعيد تشكيل الشرق الاوسط على أسس من السلام والأمن والرخاء“. لسنا هنا بصدد التطرق الى ماهية وطبيعة “السلام والأمن والرخاء” الذي يقصده الجنرال عشقي المعروف عنه انه من اكثر الدعاة للتقارب مع “اسرائيل” لمواجهة ايران ، كما لسنا هنا بصدد الحديث عن حقيقة “السلام والأمن والرخاء” الذي يمكن ان تساهم شخصية مثل ترامب في ارسائه في المنطقة ، إلا اننا سنتناول موضوع الثقة العمياء التي توليها بعض الدول بشخصية نزقة ومتعجرفة وعنصرية ولا يمكن التكهن بتصرفاتها مثل شخصية الرئيس الامريكي دونالد ترامب. بعد ايام قليلة جدا من الزيارة التي قام بها ابن سلمان الى واشنطن والتي وصفها الاعلام السعودي بـ“التاريخية” واعتبرها عشقي بأنها “ستعيد تشكيل الشرق الاوسط على أسس من السلام والأمن والرخاء” ، وبعد ما قيل عن استثمار السعودية لمئات المليارات من الدولارات في امريكا ، قدم 800 شخص من أقارب ضحايا هجمات 11 ايلول 2001 في الولايات المتحدة ، دعوى قضائية جماعية من 135 صفحة إلى المحكمة الاتحادية في مانهاتن ، ضد السعودية اتهموها بتمويل تنظيم “القاعدة”. وجاء في جانب من وثيقة الدعوى ان المملكة العربية السعودية كانت بوجهين. وهي قدمت نفسها علنا أمام الولايات المتحدة وبلدان الغرب الأخرى، بمثابة بلاد تقاتل تنظيم “القاعدة” والإرهاب، وفي الوقت نفسه تعمل، كما هو مبين بالتفصيل في هذه الوثيقة، عبر مسؤولين سعوديين قدموا لـ”القاعدة” دعما ماليا كبيرا“. وثيقة الدعوى ذكرت أنه لولا دعم العربية السعودية لما تمكن الإرهابيون من تنفيذ هجمات 11 سبتمبر، مشيرة إلى أن هذا البلد يتحمل في المحصلة “المسؤولية عن الضرر أمام أصحاب الدعوى القضائية متمثلا في الوفيات والإصابات الناجمة عن هجمات 11 سبتمبر. واتهمت الوثيقة جمعيات خيرية سعودية وجهات حكومية في السعودية بإقامة علاقات مع زعيم تنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن ، كما اتهمت الحكومة السعودية أيضا بأنها كانت على علم بانتماء ثلاثة على الأقل من خاطفي الطائرات لتنظيم القاعدة. هذه الدعوى جاءت بعد ان صادق الكونغرس الأمريكي في وقت سابق على قانون “العدالة في مواجهة رعاة النشاط الإرهابي”، المعروف اختصارا بـ “جاستا”، ويسمح لأقارب ضحايا هجمات 11 سبتمبر برفع دعاوى أمام المحاكم الامريكية ضد السعودية، التي كان مواطنوها أغلبية بين منفذي تلك الهجمات. المراقبون يتوقعون ان تحصل شركات المحاماة التي انبرت للدفاع عن اسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر على تعويضات من السعودية تبلغ قيمتها عدة تريليونات من الدولارات ، إلا ان هذه التعويضات ستتضاءل امام التداعيات السياسية التي ستتركها القضية على النظام السعودي. البعض تصور ان اللوبي السعودي في امريكا قد نجح في تليين موقف الامريكيين من ملف “جاستا” عبر تقديم السعودية التعويضات المطلوبة منها لأسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر بطريقة ما وبعيدا عن القضاء وضجيج الاعلام ، وتوقع هذا اللوبي ان تساهم زيارة ولي ولي العهد السعودي الى واشنطن وإطرائه الملفت على ترامب وقبوله بالاستثمار في واشنطن ، في وضع ملف “جاستا” في الدرج ، إلا ان هذا التوقع لم يكن في محلة لسببين ، الاول شخصية ترامب والجشع الامريكي والثاني سذاجة السياسة السعودية. اذا كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ، رفض تمرير قانون “جاستا” وأشهر ضده حق النقض “الفيتو”، إلا أن ترامب يعد من اكبر المدافعين عن القانون ومن اكثر المتحمسين لتنفيذه ، وأكد موقفه هذا مرارا وتكرارا خلال حملته الانتخابية وبعدها ، فإذا كان ترامب يطالب بأثمان باهظة للحروب التي خاضتها بلاده في الشرق الاوسط ، كما يطالب دول الخليج الفارسي وعلى رأسها السعودية بتقدم مبالغ ضخمة لأمريكا ثمنا لـ“حمايتها ” كما ويطالب بنفط العراق في مقابل الغزو الامريكي لهذا البلد ، واتخذ مثل هذا الموقف من الكويت ايضا، فأن مطالبته بتعويضات لضحايا هجمات 11 سبتمبر التي وقعت فوق الاراضي الامريكية ستكون اقوى واشد ، بل سيجعل الحصول على هذه التعويضات على رأس اولوياته ، الامر الذي لم تدركه الدبلوماسية السعودية لسذاجتها.
ان اطماع امريكا بثروات شعوب المنطقة ليست من خصوصيات ترامب فقط ، بل هي صفة عامة يتصف بها جميع الرؤساء الامريكيين والمؤسسة الحاكمة في امريكا بشكل عام ، فهذه المؤسسة ترى ان لها نصيبا في هذا الثروات وفي قدمتها النفط ، وعلى الانظمة الحاكمة في الدول النفطية ان تتقاسم مع امريكا ثرواتها النفطية ، وان الفرق بين ترامب وباقي رؤساء امريكا في هذا المجال يكمن في ان ترامب يطلب بـ“حصة امريكا” بطريقة فجة ، بينما من سبقوه من الرؤساء كان يحصلون عليها على شكل استثمارات في السوق الامريكية ، أو ودائع في البنوك الامريكية ، أو على شكل صفقات لشراء اسلحة امريكية متكدسة. ان انتقال امريكا من مرحلة الحصول على نصيبها من الثروة النفطية السعودية بعيدا عن الاضواء ، الى مرحلة المطالبة علنا بهذا النصيب عبر الابتزاز الفج ، كان قد تبلور قبل دخول ترامب الى البيت الابيض ، فقانون “جاستا” تمت المصادقة عليه قبل صعود نجم ترامب ، إلا ان الاخير اعتبر القانون وغيره من القوانين التي قد تُسن تباعا ، هو اقصر طريق للحصول على هذا “النصيب” بعيدا على اللف والدوران كما كان في السابق ، لاسيما بعد الادلة الدامغة التي تم الحصول عليها على تورط اعضاء في الاسرة الحاكمة السعودية في دعم وتمويل الجماعات الارهابية وفي مقدمتها “القاعدة” ، لذلك من السذاجة ان يتصور البعض ان تنجح السعودية بتغيير سير تطورات المرحلة القادمة عبر سياسة “تقبيل اللحى“.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى