المواطن ضحية القرارات الحكومية ومشاريع الاستثمار لا تنصفه

أزمة السكن تتفاقم وحلولها تنعدم
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
تتجدد في العراق مع بداية كل دورة حكومية، حالة من الجدل بشأن مصير القرارات والمشاريع التي أطلقتها الحكومات السابقة، إذ غالباً ما تواجه العديد من البرامج والخطط إعادة تقييم أو ايقافاً أو تعديلاً بعناوين مختلفة منها محاربة الفساد، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على المواطنين الذين يكونون قد علقوا آمالهم على تلك المشاريع لمعالجة مشكلاتهم المعيشية والخدمية.
وفي أحدث هذه الملفات، برز قرار إيقاف المشاريع الاستثمارية الخاصة بالمجمعات السكنية السابقة والمطور العقاري، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة سكن متفاقمة تتسع عاماً بعد آخر بفعل الزيادة السكانية المستمرة وارتفاع الطلب على الوحدات السكنية مقابل محدودية المعروض منها، مما أثار توقيتها تساؤلات واسعة لدى المواطنين الذين ينتظرون حلولاً عملية لأزمة باتت تمس شريحة واسعة من المجتمع، لا سيما الشباب المقبلين على الزواج والعائلات ذات الدخل المحدود.
ويؤكد مختصون، أن مشكلة السكن لم تعد مجرد تحدٍ خدمي، بل تحولت إلى قضية اجتماعية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بمستوى الاستقرار المعيشي للمواطن، فارتفاع أسعار الأراضي والعقارات والإيجارات دفع آلاف العائلات إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، فيما توسعت المناطق العشوائية في عدد من المحافظات نتيجة غياب الحلول الكافية لتلبية الحاجة المتزايدة للسكن.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان، الجدل الذي رافق مشروع “داري” الذي أطلق خلال حكومة الكاظمي، حيث استقبل المواطنون المشروع بترحيب بوصفه فرصة للحصول على قطع أراضٍ سكنية بعد سنوات طوال من الانتظار، غير أن المشروع واجه لاحقاً انتقادات كبيرة وتم وصفه بالمشروع الفيسبوكي من قبل الحكومة الجديدة حينها، ما أثار خيبة أمل لدى الكثير من المواطنين الذين كانوا يأملون أن يشكل بداية لمعالجة أزمة السكن المزمنة، كما ان مشروعي “الورد” و” الجواهري” لم يعرف مصيرهما بعد القرارات الأخيرة.
ويشير مختصون إلى أن تكرار تغيير السياسات أو مراجعة المشاريع السابقة دون تقديم بدائل سريعة وواضحة ينعكس سلباً على ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية، خصوصاً عندما يكون المستفيد المباشر من تلك المشاريع هو المواطن البسيط الذي لا علاقة له بالخلافات الإدارية أو السياسية أو بملفات التحقيق المتعلقة بالمخالفات المحتملة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الجهات الرسمية، أن مكافحة الفساد وحماية المال العام تمثلان أولوية لا يمكن التهاون فيها، ويرى متابعون أن أية إجراءات رقابية أو تحقيقية ينبغي أن تركز على الجهات المسؤولة عن المخالفات إن وجدت، من دون أن يتحول المواطن إلى المتضرر الأول من قرارات الإيقاف أو التأجيل.
فالمواطن الذي ينتظر الحصول على وحدة سكنية أو قطعة أرض لا يتحمل مسؤولية شبهات الفساد أو الخلافات الإدارية التي قد ترافق بعض المشاريع.
وفي السياق نفسه، أكد النائب السابق ياسر الحسيني في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية القرارات المتخبطة المتعلقة بملف المشاريع الاستثمارية، مشيراً إلى وجود حالة من التخادم بين بعض القوى السياسية وشركات الاستثمار، الأمر الذي انعكس سلباً على واقع المشاريع السكنية والخدمية في البلاد”.
وأوضح الحسيني، أن “مشاريع استثمارية كثيرة شابها الفساد، نتيجة منح شركات غير مؤهلة ومرتبطة بأحزاب سياسية استثناءات حكومية خاصة، ما تسبب في تعطيل إنجاز المشاريع وهدر الأموال العامة، فضلاً عن الإضرار بمصالح المواطنين الذين ينتظرون حلولاً لأزمة السكن المتفاقمة”.
وأضاف، أن “هذه الممارسات أسهمت في تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية، لافتاً إلى أن دور هيأة الاستثمار تم تهميشه رغم كونها الجهة المختصة بالتعاقد مع الشركات الرصينة وضمان المنافسة العادلة والشفافة بين المستثمرين”.
وحمّل الحسيني، مجلس النواب المسؤولية، منتقداً ضعف دوره الرقابي في متابعة القرارات الحكومية ومحاسبة الجهات المقصرة، مؤكداً، أن استمرار غياب الرقابة الفاعلة يفتح الباب أمام المزيد من الإخفاقات والتجاوزات التي تنعكس بشكل مباشر على الخدمات والمشاريع المخصصة للمواطنين”.
ومع استمرار النمو السكاني المتسارع في العراق، تزداد الحاجة إلى رؤية وطنية طويلة الأمد لمعالجة أزمة السكن بعيداً عن تأثير التغيرات السياسية والحكومية، فالمواطن ينتظر مشاريع مستدامة توفر السكن الملائم وتحد من انتشار العشوائيات وتخفف من أعباء الإيجارات المرتفعة التي تستنزف دخول الأسر، خصوصاً في المدن الكبرى.



