ثقافية

المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

4204

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

الفصل الثاني عشر

هزّني ما سمعت منها وشابت معها كل أفكاري وانطفأ مصباح فضولي في أن أسمعها أكثر، لكن لا أدري ما الذي جعلني أشعر بالقلق عليها عندما اهتز جسدها وكادت تقع، فأسرعت ومددت يدي من النافذة أمسك الهواء وأنا أتمنى أن أنقذها من السقوط, تمنيت أن أجعل للأمل حياة وأن أهب تلك الحياة لها. مهلاً، تمهل أيها القدر لحظة، دع هذا القلب يهدأ أريد التحدث إليها من دون كلام. استعجل لأجلس بجانبها وأن أجعل كل الأحزان تزول. شعرت أنها طفلتي وأنني أريد أن أضمها إلى صدري وأغني لها حتى تهدأ نفسها وتنام. سقطت على الأرض، فاقتربت منها الكلبة ومسحت برأسها على خدها الذي تبلل بالدموع. نظرت إليها الفتاة وقالت: حاولت أن أيقظ الناس لكني فشلت، نعم فشلت، فلقد صنع الخوف في قلب كل منهم إلهاً هزمهم أكثر من هزيمة “نتر” لهم. نهضت ونظرت لنفسها في المرآة التي تغطيها الأتربة المتساقطة من سقف الغرفة المغطاة بجريد النخل الجاف وقالت بصوت مجروح حزين وهي تتأمل بطنها: مرحباً بك أيها القادم من السماء, مرحباً بك يا من جعلت النجوم تتقارب, مرحباً بك حتى تنبت بذور الفرحة في قلبي ويتغير عالمي وتضيء غرفتي, سوف أمنحك حياة فامنحني حياة, أنا أكبر منك بسنوات ليست بكثيرة, أنا أيضًا رشيقة وجميلة قوامي قصب وعيناي بحر تاه فيهما من نظر إليهما, أنا امرأة عرفت الحزن لكن وجهي دائما مبتسم, تقول أمي أن ابتسامتي من قلبي وحزني من عقلي, وأنا سأرعاك بقلبي وأحميك بعقلي لكن كن معي ولي, عليك أن تفعل ذلك من الآن لا أدري كيف، لكن حاول كما أنا وعدتك أنني سأحاول. سمعت عن مغامراتك وغزواتك وشطحاتك وجنونك ومكرك وخططك وحصونك وجيوشك التي لم تهزم, وصدقت كل تلك الحكايات لأنك كسرت قلاع صمتي وحزني واحتللت قلعتي, ستتمكن من محاكاتي والسمر معي في ليل الشتاء والصيف, ستروي لي نزواتك وأنا أغني لك أوجاعي, ستضحكني وتجفف دموعي، هذا اتفاق, أتدري أنا أخبرته أني أعشقه وأنه يستطيع امتلاكي وأني عشت الحرمان حتى يتحقق حلمي في أن أكون بين يديه صائمة وجوعي شديد ولم أقوَ على الجوع أكثر. طلبت منه أن يكون مائدة عامرة لي ليوم واحد فقط, لقد استجاب وفعلتها وأكلت وارتويت وارتوت أرضي فأنبتت بذوره, لكن لا تقلق وعليك أن تطمئن فأنت ملكي، أنت طفلي الذي سيحررني ويحرر العالم من حولي.
ضمت الكلبة إلى حضنها وقالت بصوت شادٍ: أنتما أخر ما تبقى لي من ذكراه وأنا من دونكما لا أملك شيئاً, فنحن أجسام منفصلة لكن روح واحدة. انتفضت عن الكلبة وصرخت ثم هدأت وابتعدت خطوة وقالت بصوت هادئ لكنه متوتر غاضب: يبدو أنك فاشل ولن تستطيع أن تكون مثلما أريد, هيا تمرد ولا تظل هكذا حبيس بطني أسيراً مثل أبيك لا نعلم عنك شيئاً، أ أنت حر أم ما زلت أسيراً؟ أ أنت حي أم ميت كما يقولون؟ استدارت ورفعت عينيها نحو فتحة صغيرة وسط جدارغرفتها ومدت يدها وأخرجت منها قطعة قماش صغيرة وقبلتها ثم وضعتها على بطنها وقالت: انظر إلى تلك القماشة وتأملها كثيراً، إنها لأبيك الذي لم يبقَ من ذكراه سوى تلك القماشة التي تحمل رائحته, رائحة بلا جسد، هل تكون أنت الجسد وتحمل حلم أبيك على صدرك وتهزم ذلك الشيطان أم سيهزمونك وأظل أنا في العراء؟ مهلاً تمهل، ولا تغضب وتملأ قلبك بالهم من الآن. الحقيقة ثقيلة وأنت ما زلت أخضر، فدعني في صمتي فإن الحقيقة مؤلمة، لكن صمتي معك مطر لا ينبت غير الحب. كفى كفى، لم أعد أتحمل، سوف أحضر لكِ الماء لكي ترتوي بعد ما تعرضتِ له من قسوة على يد ذلك الغريب. ربما ستموتي الآن أو نموت معاً، فنهايتنا واحدة كما قلت لكِ. لقد تحملت كل شيء يخطر في بال بشر أو جن ولهذا لا أريدكما أن تشهدا المصير نفسه، وإن لم أجد لكما حلاً سوف أقتلكما بيديّ. نعم نعم، سوف تحملكما تلك الأيدي للنهاية فلا ذنب لكما في أن تعيشا تلك الحياة, الذنب كل الذنب ذنبي أنا ولذلك سوف أتحمله أنا وحدي. نعم وحدي. والآن أتريدان أن تعرفا لماذا؟ لأنه وببساطة عندما كنت وحدي كنت أفضل، أما الآن أنا أتحمل أوجاعكما أيضاً وحدي، ولا يوجد في عالمي نقطة ضعف حتى جئتما أنتما. أنتما تزرعان كل يوم بداخلي آلامكما والخوف عليكما من مستقبل أسود يناديكما بالموت.
أكلت حتى امتلأت ومن حينها وهي تعيش حياتها كورقة بيضاء يتوسطها حرف من المفترض أن يشكل بداية لكلمة تنهمر كالنهر وتملأ الورقة لتكون حكاية. لكن القلم توقف عند ذلك الحرف معلناً بداية الشقاء لهذا الوليد, مهما كان حلمها ومهما كان الهدف السامي من وراء فعلتها من أجل تخليد واستمرار نسل الإله “بابا” وابنه “ماو”. ما ذنبها هي حتى تتحمل تلك المسؤولية وتعيش بقىة حياتها كشجرة مثمرة ظلها واسع لا تجد من يقطف ثمارها أو يستظل بظلها؟ وما ذنب هذا الطفل في أن يبدأ مشوار حياته من دون أن يجد من يرعاه؟ كيف له أن يكتب بنفسه بقية الحروف ليشكل مع القدر كلمته الأولى؟ ما أصعبها تلك الحياة؟ نخطو فيها خطواتنا الأولى بقدمين ضعيفتين، نتعثر فنقع على الأرض من دون أن نجد يداً قوية تحمينا، وبكل بساطة مطلوب منا أن نحاول الوقوف والسير من جديد لنقع من جديد، وإن ضعفنا نصبح طعاماً للكلاب، إنه من الظلم أن نبدأ من دون أن نجد حولنا من يشجعنا ويأخذ بأيدينا لكي نتابع الخطى ولا نتوقف عن المحاولة، وتتزايد الرعاية لنا حتى نتخطى مرحلة الخطى المترنحة, ومن بعدها نبدأ بأنفسنا استكمال الطريق بنجاح ونسير بخطى ثابتة واثقة. إن ولد هذا الطفل قبل أن يأتي أبوه لن يكون في يوم من الأيام كما أرادوا له استمراراً للدم المقدس وحاملاً للواء الإله “بابا” من بعد أبيه الإله “ماو” لأنه ببساطة سوف ينشأ على ثقافة اليأس والإحباط، وإن تعثر مرة لا يحاول النهوض مرة أخرى حاله كحال كل المحيطين به من سكان العاصمة الذين سيهدمون عزيمته وينقصون من همته، فهم قوم لا يعرفون شيئاً عن الثقة في النفس، والخوف من الفشل، بل سيطرت عليهم روح اليأس والإحباط، فمن لا يحررْ نفسه لا يستطع أن يحرر غيره, أم أنه سيظل هنا على أطراف العاصمة منعزلاً ومنفصلاً عن الواقع تحجبه تلك الأسوار التى تحيط بالعاصمة عن الرعية وتحجبه تلك الأسوارعن هذا العالم الذي يعيش فيه الإله “نتر” وصفوته داخل تلك البيوت والقصور، ويظل أسيراً بين الجبلين لا ينغمس وسط الرعية وهمومهم ولا يعيش تلك الحياة التي أُنشأتها كلاب بلاط الإله لتحقق لهم أقصى أنواع الرفاهية والعزلة عن الرعية., لقد أخطأ “ماو” عندما اختار الخلود قبل الحرية. انتفضت من جلستها بجوار الكلبة كأنما هاجمها ثعبان فوقفت مترنحة معلقة عينيها نحو النافذة تضحك بسخرية وهى تشير بيدها نحوي وقالت بصوت ارتوى صاحبه بموجات من بحر مسكر: نحن نعيش في فم التراب والموت يلحقنا كأسمائنا، فأي شيطان وسوس لك عني؟ تعال هنا نحو الباب أيها المتلصص من الشباك, تعال وقل لي: لِمَ أنت تتلصص عليّ. اهتز جسدي فسقطت على الأرض وحاولت النهوض والاختفاء بسرعة لكني فوجئت بكلبتها قابضة بفكيها على ثوبي وإن قاومتها لغرزت أنيابها في لحمي وإن نجوت فعصاها فوق رأسي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى