ثقافية

أغبياء حسن العاني

4205

كريم عبد الله هاشم

بأسلوب سردي سلس ولغة جميلة، وانتقالات زمانية ومكانية هادئة، يقدم لنا (حسن العاني) في روايته (الولد الغبي)، موضوع كل العراقيين الذي عايشناه ودفعنا ثمنه باهظا بوجوه متعددة، في سلسلة معاناة متفرقة الوجوه وما زلنا نكابد فصولاً شتى من فصول هذا الموضوع وهذا السلوك وهذه العقلية التي شكلت ثقافة نعدّها بائدة ولكنها تجذرت وترسخت في سلوكياتنا وعقلياتنا مع تعاقب الفصول وإختلاف الوجوه ووجدت متنفسات لنموها بصفات مختلفة.
في هذه المرة، يقدم لنا حسن العاني في روايته الجميلة (الولد الغبي) هذا الموضوع من نقطة أكثر قرباً وزاوية أكثر تماساً بحيث يشعرنا الكاتب بأنه هو السارد نفسه (شخصية الرواية) وينقلنا معه من فصل إلى فصل بهدوء وعناية تتصف بالمتعة والتشويق.
(الولد الغبي) نص روائي ويحتمل تسميته بالقصة الطويلة، فهي ذات شخصية رئيسة أو (محورية) واحدة يتفرع منها عدد من الشخصيات الملحقة أو الثانوية ضمن الفضاء الذي رسمه الكاتب لهذه الشخصية وما يحيط ويتعلق باهتمامها.
وقد تمثل اسلوب السرد بالسرد الآني لأحداث قائمة يتبعها سرد لاحق لتفاصيل مركزة تتعلق بتكملة الصورة السردية وتكملة جوانب الموضوع الذي سعى الكاتب الى تدوينه.
الحكاية تتلخص بمسيرة شاب رياضي ماهر يتنقل في سلسلة من النجاحات التي تسلط الضوء عليه، فيحتضنه الباشا (الزعيم) لتوظيف مهارته بما ينسجم مع عقليته المريضة، ويغدق عليه من أجل فرض وصايا سلطته ونفوذه وأمراضه العقلية والسلوكية من خلاله، فيكتشف هذا الفتى بعد وقت طويل من الانجراف معه وبعد ان يلحق به الأذى ويكتوي مباشرة بشظايا سلوك (سالم الغني ـ الباشا) وبعد خسارات كبيرة التاريخ المزيف الذي يختبئ وراء تلك السلطة: “أي زمن هذا يحكمه الكلاب والقتلة” ص 21.
تضمنت الرواية عدداً من الشخصيات التي تتقلد أدواراً مختلفة في لجة الصراع هذه (والده سلمان الصالح، سعيد الكاتب، والدته، الغريب، عبد المجيد الراعي، إمام المسجد، خالدة السيد، سارة الأجنبية وعائلتها، رشاد توفيق، وبعض الشخصيات الهامشية الأخرى).
عكست لنا الرواية واقعاً مؤلماً عايشناه جميعاً، تمثل في أبسط معانيه بمحاولات محو شخصية الأفراد والمجتمع وتحويلهم الى مجرد دفوف خلف (الباشا) ومجرد بيادق تلعب بها أصابعه حسب مشيئته واهوائه المريضة، يقودها الى التكريم والحفاوة، أو الى الإهانة والاذلال، أو الى المحو والتضييع. وشخصية الباشا تحمل خلف ظهرها ماضياً مثيراً للجدل، ولكن تثبت عليه طبيعته الجرمية وينكشف قناع الحرص على المدينة والغرض من محو القرية وتحويلها الى مدينة على وفق مبتغاه:
(حكاية سالم الغني الذي قتل الغريب) ص 16.
(ليس لأنهم ابناء بالفطرة ، أو لأن حمورابي فتح لهم المدارس، انما أنا، أعني الذي استأصلت روح القرية من أعماقهم) ص 19.
(ان ضحاياه هم أكثر الناس وفاءاً له) ص 24.
(لقد اشترى المدرسة والملعب الرياضي وحديقة المدينة والمكتبة والمتاجر واشترى قبلها مخفر الشرطة فلماذا تعتقد انه لا يستطيع شراء المسجد) ص 26.
(كيف لا تكون صلاة الباشا هكذا وهو يشبه الملائكة)؟ ص 33.
(ان رجلا اشترى براءتك، سيطرحك ذات يوم في باحة قصره عارياً) ص 48.
(خداع الفريق المقابل والإنقضاض مثل الصقر والإنفراد بحارس
المرمى) ص 56.
(التهمة الموجهة لنا هي تحريض الناس على الوالي) ص 58.
(وذلك سيؤدي الى حدوث ثغرة أو خدش يمس رمزا من رموز المدينة) ص 122.
(خالدة السيد التي وصفها إمام المسجد انها من أصفياء الله) ص 145.
(وكنت في الحقيقة أتلهف رغبة للاعتذار وطلب الصفح منه فقد كان.. ولكنني لم أكن) ص 146.
ان الأحداث المسرودة في رواية (الولد الغبي) تشي بواقع تمت زعزعته بفعل الترهات السلطوية أدى الى فرض ورسم واقع جديد يبرز فيه القتلة والمنافقين والمتملقين وعديمي الكرامة والمروءة وعديمي القيم من سياسيين وأصحاب اختصاصات ورجال دين، ويتخلف فيه ويتدهور أصحاب القيم والتاريخ الكريم المشرف وذوو الضمير.
وقد حفلت الرواية بالعديد من المحتويات الدالة وتمكنت بسهولة من تسليط الضوء على مضمونها هذا وبأسلوب سلس محبوك في انتقالاته وفي استحضار أحداثه القصصية الآنية والسابقة وبث وجهة نظر الكاتب من خلال حركة الشخوص وسلوكياتها ضمن هذا الفضاء. وقد أدى الكاتب وظيفة السارد بمهارة جعلتنا نشعر بقربنا من الأحداث ومعايشتنا لها، وتمكن الكاتب من ابعادنا عن الشعور بأن هذا النص مجرد انعكاس بسيط لظرف وواقع زماني ومكاني، فقد تصرف الكاتب على وفق تصور جمالي كان مناسبا لتنظيم مقاطع وأحداث النص، فقد انتقى استهلال الرواية ومدخلها بشكل جميل، وقد كان الراوي هو بطل السرد وقادنا بعناية بين الأحداث الآنية والأحداث الماضية (اللواحق) ونسق بينها بشكل جيد ساهم في تمتين بنائه القصصي.
وقد تضمنت الرواية تغيير وتواتر في المشاهد ساهم بتطور أحداثها وساهم بخلق التشويق المطلوب للمتلقي. وقد أعجبتني الصفحات الأخيرة من الرواية كثيراً فقد امتازت بشحنة عالية من التركيز والتكثيف والأختصار لمجمل محطات الفتى (ابن الصالح ـ الشخصية الرئيسة في الرواية) الحياتية وتشعباتها التي على قلة عددها منحت الصورة القصصية وموضوع القصة غنى وكثافة وأطرته ضمن فكرة الكاتب وموضوعه، فهذا العدد وهذه الشريحة النموذج (لمجتمع اكتشف وما زال يكتشف مقدار الغباء المترسب لديه أو المفروض عليه)، وهو ما سعى حسن العاني بهدوء وعناية الى ايصالنا اليه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى