«كريم صبح» بائع الألم: الغزل ليس حكراً على الرجال


عبد شاكر
على قاعة المرحوم الكبير مصطفى جواد في المركز الثقافي البغدادي وبحضور نخبة آكاديمية وأدبية وإعلامية مرموقة، أقيمت صباح يوم الجمعة احتفالية توقيع المجموعتين القصصيتين (بائع الألم) و(الغزل ليس حكراً على الرجال) للقاص والباحث والمترجم د. كريم صبح أستاذ التاريخ الأمريكي في كلية التربية بن الرشد. وافتتحت الاحتفالية باستعراض كامل لسيرة المؤلف العلمية ومنجزه الآكاديمي المنشور والمطبوع والمناصب العلمية والأكاديمية التي شغلها. ثم قدمه مدير الجلسة بكلمة ترحيبية جاء فيها: عندما تتعرف على شخص ما، فهذا يعني بداية تجربة حياتية قد تخفق أو تتوفق بحسب اختلاف أو ائتلاف المزاجين العام والخاص لتفاصيل الحياة اليومية. لكنك عندما تكسب إنسانًا تتوافر فيه كل الخصال والصفات التي تحترم إنسانية الإنسان فهذا يعني أن القدرة الإلهية قد تدخلت لتمنحك كياناً بشرياً يسير معك خطوة خطوة، ويشاركك نبض وجذر الحياة وعملية صناعة الجمال في أزمنة القحط والقبح. الله القدير يستحق الشكر على نعمائه في كل لحظة وفي كل حين وفي كل زمان ومكان، فكيف إذا وجدت جماله المطلق ورحمته الأبدية تضع لك في طريق الأحزان والانكسارات بشرًا يمنحك كل واحد فيهم دفقة من إنسانية تعطيك الأمل من أن الحياة جميلة ومن أنها يجب أن تستمر عندما تتعايشان لتضعا الجمال ندّاً لكل قبح. كريم صبح، أبو الحسن، صديقي وأخي الذي تشرفتُ بمعرفته عن طريق الأستاذ ثائر العصامي صاحب مؤسسة العصامي للطباعة والنشر التي نجحت في السنوات القليلة الماضية باستقطاب أسماء رصينة في مجالات الفكر والثقافة. ومنها هذا الآكاديمي الجميل الذي إتسم بخلقٍ راقٍ أثبت فيه أن المناصب والألقاب الآكاديمية هي من تتشرف بإنسانية ومزايا الإنسان وليس العكس هو الصحيح. جمعتني به القصص القصيرة في مجموعته البكر (بائع الألم) التي أنجبت سبعة عشر نصاً تفاوتت في القصر والطول وقد وسمها بمزية جميلة تمثلت بتنوع موضوعاتها الإنسانية التي حرص من خلالها كريم صبح ـ كما يحلو لهُ أن أسميه ـ على رسم ملامح شخوص بشرية حركها الحب والصفات الأخرى للحياة وحوت على التقاطات ذكية لتفاصيل حياتية يعيشها الإنسان المعاصر كالفقر والكدح والصداقة مع رسم ملامح قيم حياتية كالأخلاق والفضيلة والسلوك السوي،وغيرها. مثل نصوص بائع الألم وحب مع وقف التنفيذ واتفاقية سادة ودفء وطبق الأصل وقصة نملة التي تربعت على عرش نصوص المجموعة بحسها الإنساني لرجل يراقب نملة في صراعها لإيصال كسرة خبز بمعاناة كبيرة أوصلته الى فكرة” أنه ماضٍ إلى حياة لن تتوقف أبدا شروعا بحديقته التي أهملها كثيرا. ثم جاءت مجموعته الثانية (الغزل ليس حكرًا على الرجال) وهي مجموعة تشابهت في آليات منتوجها الأدبي مع شقيقتها مجموعة بائع الألم بسلاسة وتنوع موضوعاتها ما بين الواقعية واللا واقعية وجر النص إلى لعبة المفارقة القصصية أو اتباعه لأسلوب عنصر المفاجأة أو الصدمة، مع رفعه لراية الانتصاف والانتصار لقضايا المرأة العراقية كونها النصف الأجمل في بنية المجتمع العراقي. وفي كلتا المجموعتين كان الحضور طاغيا لأسلوب السهل الممتنع والتعامل مع لغة يسيرة وغير متكلفة مما قد تثقل معها متن النص وتفقده براءته وتلقائيته الجميلة. وتلك لعبة قد تخطئ أو تصيب ويُترك أمرها للناقد والقارئ على حدٍ سواء. قد لا يسع المقام للإسهاب أكثر بتناول قصص هذا الإنسان الحقيقي الذي جعل من البساطة والتواضع سمتين كبيرتين يتعامل بهما بلا تكلف مع الجميع ليضيف إلى صفتي الأستاذية والدكتوراه اللتين يحملهما عن جدارة واستحقاق بعدًا يجبر المقابل معه على احترامه أكاديميًا وقاصًا يترسم خطى الأسماء السردية الكبيرة بلا ضجيج، وقبلهما إنسانًا يؤمن بشيئين لا ثالث لهما.. إنسانية الإنسان.. وثقته المطلقة وافتخاره بعراقيته الجميلة التي هي امتداد بجذر راسخ لحقيقة أن الشعب العراقي محب للحياة ولن تستطيع قوى الظلام أن تميته يوما ما.
بعدها أسهب المحتفى به بالحديث عن الظروف التي كتب فيها قصصه القصيرة وكذلك ظروف طباعتها والشخصيات التي كان لها كبير الأثر في توجيهه الوجهة الصحيحة أو تشجيعه وتحفيزه على الكتابة رغم كل الصعاب، معربًا عن امتنانه لمن حضر حفل توقيع الكتابين من الأساتذة والأصدقاء.
النقد ينصف صبح
في فقرة النقد الخاص بالمجموعتين أنصف الأساتذة النقاد تجربة الكاتب كريم صبح على ما تخللته من خطوات محفوفة بمخاطر الفشل والإخفاق. الأستاذ علي الفوّاز تطرق في بداية حديثه عن التوأمة الموجودة بين ما هو تاريخي وما هو سردي كون التاريخ عملية سرد لوقائع وأحداث بشرية حقيقية. مقراً بصعوبة الخوض في مسألة التوأمة بين ما هو سردي وما هو تاريخي ما لم يكن الإنسان متسلحًا بمعرفية هائلة للتاريخ كعلم ووقائع وبين السرد كجنس قصصي في وقت أصبحت فيه الرواية هي المتسيدة على كل الأجناس الأدبية وأن الكتاب والأدباء أصبحوا يميلون للخوض في عوالمها كونها الوحيدة القادرة على استيعاب أحداث الحياة ووقائع التاريخ، مثنياً على تجربة الكاتب بأنه حاول عبر نصوصه المغرقة بالتفاصيل الحياتية العادية أن يجعل من الواقع تاريخاً، وبالتالي نجاحه بالرجوع إلى القصة القصيرة كجنس أدبي مهم في وقت اتجهت به الأغلبية إلى كتابة الرواية وهو أمر حُسب له وجاء عبر هاتين المجموعتين وما حوتهما من قصص واقعية جاءت بمثابة الدعوة لإعادة القصة القصيرة إلى وضعها الطبيعي.
أما الناقد يوسف عبود جويعد فلقد خصّ الكاتب بقراءة ورقة نقدية أسماها الخطاب الإنساني في (الغزل ليس حكراً على الرجال): نجد في المجموعة القصصية (الغزل ليس حكراً على الرجال) مساراً وجدانياً عميقاً, وخطابا إنسانيا مضمرا بين سطور النصوص السردية, تضع أمامنا حكايات وأحداثاً ولحظات, استطاع القاص اقتناصها من بين الناس ليقوم بمعالجتها فنياً ويدخلها إلى المختبر السردي, فتظهر للعيان وقد ارتدت حلتها السردية, من حيث المضمون والشكل والزمان والمكان والشخوص والثيمة الكبيرة الموجهة للمتلقي, وفيها خطاب اجتماعي, وانساق ثقافية مضمرة, ولغة سردية حافظت على السياق الفني لمسيرة الأحداث في المبنى السردي, بالرغم من أن الغالب فيها, والذي يقود مهمة سرد الأحداث هو السارد العليم, الذي يكون أحيانا حائلاً بين الأحداث وانسيابيتها وتداعياتها والدخول في أعماق الأحداث, ونكتشف أيضا أن القاص كريم صبح قد قدم لنا أحداثا سردية, هي ظاهرة حياتية تحدث في حياتنا, ونراها حقيقة ماثلة أمامنا, ونتألم ونحزن لوجودها, وهي صور مأساوية, كانت الغاية منها عندما ضُمّت في هذه المجموعة, أن يخاطب من خلالها الضمير الإنساني للحد منها, وعدم رؤيتها تحدث في مجتمعنا مجدداً, بل أنه ابتعد كثيراً في هذا الأمر إلى الحد الذي جعل من نصوصه السردية صوت استغاثة واضحة لتذكير المتلقي من خلال طرحها بالقيم والمبادئ الإنسانية النبيلة التي يتحلى بها الإنسان.أما الباحث والكاتب الكربلائي الأستاذ حسن عبيد فلقد خصّ صديقه كريم صبح بكلمة جميلة: انني المس أن الوسط الأكاديمي صار ذبّاحا للغة مهشما لعظامها إلا ما رحم ربي، فمن النادر أن تجد أستاذا يفرق بين الفاعل والمفعول به وان حروف الجر تشتغل عنده ويعرف متى يجزم، في وسط هذا الصخب اللغوي تحس بشمعة مضيئة تهتم باللغة، تلك الشمعة هي ما أرمز به لصديقي العزيز كريم صبح الذي لم يكتف بإتقان النحو، بل حوى من البلاغة ما يسعد به سامعيه. .لا بل مهن الترجمة وما يترجم إلا من اتقن لغتين فتلك شهادة بتفوقه اللغوي. لقد شهدت ابا حسن وهو يناقش طلاب الدراسات العليا،فكان يحاكمهم على اللغة كما يحاكمهم على مواد أطروحاتهم، فهو إذاً حارس للغة مدافع عنها،وهو إضافة لذلك عالم فذ في مجال اختصاصه النادر تاريخ أمريكا ما صيّره مثقفا مرموقا، ولما خدم به اللغة فإنه تعالى كافأه بأن وهبه خصبا في الخيال.
وبذا توافرت شروط الإبداع لديه، اللغة السليمة والخيال الخصب والثقافة الراقية، وكان القص هو الميدان الذي صب فيه إبداعه. لقد أبهرتني قصصه القصيرة، فلقد لمست أنني وإياه نشرب من كأس واحد ونتذوق الشراب نفسه وأحس بتشابه قصصه مع قصصي قي مجموعتي حراس المعبد. إذ أن أبا حسن ارتقى مرصدا عاليا لرصد تردي حال المجتمع وعدد مآخذه عليه، وكان أسلوبه استدراج القارئ صوب موضع الدهشة وهناك يصدمه صدمة تحسسه بتردي الواقع الاجتماعي. أحسن أبو حسن في فعل الصدمة ذاك فأمر مجتمعنا بحاجة إلى مبدع يصرخ بما يراه سيئا. أبارك واهنئ أخي وصديقي أبا حسن داعيا له بدوام التوفيق ومزيدا من التألق والإبداع.
وللنساء المبدعات حضور
وكعادتها الطيبة والجميلة في مشاركة الأصدقاء أفراحهم عند ولادة كل منجز أدبي حرصت الفنانة التشكيلية والشاعرة المعروفة إيمان الوائلي على حضور حفل التوقيع بل وبالمشاركة الفاعلة أيضاً عندما قدمت رؤيا نقدية لنصوص مجموعة بائع الألم ثم خصّت الحضور بقراءة ثلاثة نصوص شعرية جميلة أهدتها للدكتور كريم صبح وللحضور الذي قابلها بالاستحسان والتصفيق.
العصامي يدعو الأدباء
راعي الحفل الأستاذ ثائر جعفر العصامي مدير مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر والتوزيع رحب في كلمته المقتضبة بجميع الحاضرين متقدماً بوافر شكره وامتنانه لحضور نخبة من عمالقة وأساتذة التاريخ وجمع كبير من الأدباء والأديبات والآكاديميات أيضاً، قائلًا أن المؤسسة منكم وإليكم وإنها تنهض بكم يا صنًاع الجمال. وإنني لولاكم لما كنت، مجدداً للجميع دعوة التعامل مع مؤسسته من أجل ضمان حفظ حقوق المؤلف العراقي المظلوم من الجميع.



