الإنتظار حركة وفعل وجهاد وعمل
وأما بالنسبة إلى الإنتظار، فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يحتجب عنا الإمام القائد المهدي عجل الله فرجه الشريف، وأن يتأجّل خروجه، وهذا الإنتظار للمهدي المنقذ لا يختصّ بالشيعة، بل تواترت الروايات فيه من طرق السُنَّة بأسانيد صحيحة ومستفيضة لا يمكن التشكيك فيها كما وردت من طرق الشيعة الإمامية. وهذا المفهوم له قيمة مهمة في النظرة الإسلامية، ولكنّ المشكلة هي في طريقة فهمه حيث يمكن أن يُنظر إليه بنحوٍ سلبي وكعامل للتخدير والإعاقة عن القيام بالواجبات الشرعية. وفي مقابل ذلك قد يُفهم بطريقة إيجابية تجعل منه عاملاً من عوامل التحريك والنهضة والأداء للتكليف الشرعي. ولتوضيح الإلتباس في فهم معنى الإنتظار نقول: قد ينظر البعض إلى الإنتظار مثل ما لو كان الغريق ينتظر وصول فريق الإنقاذ إليه من الساحل ويراهم مقبلين إليه لإنقاذه. فإنّه من المؤكد أنّ الغريق لا يستطيع أن يقدّم وصول فريق الإنقاذ إليه، إلّا أنّه من المؤكّد أيضاً أنّ هذا الإنتظار يبعث في الغريق نفسه أملاً قوياً في النجاة. والأمل يمنح الإنسان “المقاومة” بالضرورة، فيواصل الغريق المقاومة حتى يصل فريق الإنقاذ إليه. لكننا نريد من الإنتظار ما هو أعمق وأوسع وليمنحنا ليس الأمل فقط بل الحركة الواعية وبذل الجهد في سبيل النجاة والخلاص، وعدم الإقتصار على إنتظار المُنقذ والمنجي. ومن الخطأ أن نفهم الإنتظار على أنه رصد سلبي للأحداث المتوقّعة من دون أن يكون لنا دور فيه سلباً أو إيجاباً، كما نرصد خسوف القمر وكسوف الشمس، فالتفسير الصحيح للإنتظار أنّه حركة وفعل وجهاد وعمل. يصنعه رجال رُهبان بالليل ليوث بالنهار، هم في علاقتهم مع الإمام عجل الله فرجه الشريف أطوع من الأمة لسيّدها، كالمصابيح في قلوبهم القناديل، وهم من خشيته مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنّون أن يُقتلوا في سبيل الله. بهم ينصر الله إمام الحق. والحاصل أننا نريد القول: إنّ غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف لا تعني عقد هدنة بين الحق والباطل، وتجميد الصراع ووقف إطلاق النار في ساحة المعركة بينهما، فالباطل لم ينته دوره، والحق لم يتنازل في هذه المدة الطويلة عن دوره، والصراع لا يزال مستمراً بين جبهتين الحق والباطل. واتباع الباطل لم يتوقفوا عن نصرة باطلهم ونشره ومدّ سيطرته ونفوذه، وهم في عمل دائب ومستمر لمقاومة الحق وإظهار الباطل في جميع الحقول وعلى المستويات كافة، وإذا كان أهل الباطل ! في خدمة باطلهم، فهل يصح لأهل الحق أن يعلنوا الهدنة، وإنهاء المعركة في طرف واحد، ويسكتوا عن الظلم إلى ظهور القائد المنتظر؟. لا يمكن أبداً أن يكون هذا هو معنى الإنتظار ولا أن تكون هذه هي وظيفة المؤمنين في عصر الغيبة! فمبادئ الإسلام التي تأمر بالدعوة إلى الله وتوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحث على هداية الناس، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. هذه المبادئ مبادئ عامة وشاملة تسري على كل زمان، وتلزم كل جيل، وغيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف لا تعني نسخ هذه المبادئ ولا تجميد مفعولها. يقول العلامة المظفر: “ومما يجدر أن نذكره في هذا الصدد، ونذكّر أنفسنا به. أنه ليس معنى إنتظار هذا المصلح المنقذ المهدي أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل المسلم أبداً مكلّف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة إليها حقيقة. وواجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ما تمكن من ذلك وبلغت إليه قدرته كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فلا يجوز له التأخر عن واجباته بمجرّد الإنتظار للمصلح المهدي، والمبشر الهادي، فإنّ هذا لا يسقط تكليفاً، ولا يؤجّل عملاً، ولا يجعل الناس كالسوائم”.



