اخر الأخبار

هدف الأنبياء صناعة الإنسان وتهذيبه

3924

أمّا مدّعو الإيمان، وهم كثيرون في قِبال المؤمنين، فوليّهم الطاغوت، يُخرجهم من النور ويوصلهم إلى الظلمات. فالمؤمن الحقيقيّ معلّمه ووليّه الله، وذلك عبر الوساطة، وهي الأنبياء؛ فالله خصّهم بتربيته، فإذا ما تربّينا على أيديهم، ونهلنا من معينهم وعلومهم، وعملنا بتعاليمهم، فإنّا سنسلك الصراط المستقيم، ونهتدي إلى النور، نهتدي إلى الله، الذي هو النور والكمال المطلق. إنّ البعثة هي بعثة إلهيّة، ودافعها هو هداية جميع الخلق؛ فعلينا التوجّه إلى هذه الغاية، والتنبّه إلى الدافع وراءها، والذي بيّنه الله بقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وعلينا الإلتفات إلى عواقب مخالفة هذا الدافع. إنّ الدافع وراء البعثة هو تزكية النفوس، وهذه التزكية إنّما تكون بانتفاء الأنانيّة، وانتهاء الإنّيّة ولحاظ النفس، والقضاء على طلب الرئاسة، وزوال حبّ الدنيا، ليحلّ الله تبارك وتعالى وحبّه مكان الجميع. إنّ الغاية من البعثة هي أن تحكم حكومة الله في قلوب البشر حتّى تحكم بالتّالي في المجتمعات البشريّة. ما من موجود يفتن ويعيث فساداً بقدر ما يفعل هذا الإنسان، هذا الحيوان ذو القدمين. وما من حيوان يحتاج إلى التربية بمقدار ما يحتاج إليها. والأنبياء بأسرهم، من آدم عليه السلام حتّى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، جاؤوا لتبديل هذا الحيوان إلى إنسان، هذا هو غرضهم، وهذا هو الهدف. جميع الكتب السماويّة، وأعظمها القرآن، أُنزلت لهذه الغاية، وهي إنقاذ هذا الإنسان الذي وقع في الظلمات، وغرق في بحر الدنيا، الإنسان الأنانيّ الذي لا يهمّه سوى نفسه وملذّاتها، ولا يرى سواه موجوداً. إنّهم الأنبياء يريدون نجاة هذا الإنسان من الظلمات، وإيصاله إلى النور. لا يتصوّرنّ أحدٌ أنّ الذي كان يمتلك نفساً فرعونيّة هو شخص واحد، أو عدّة أشخاص، بل إنّ في باطن كلّ إنسان نفساً فرعونية، ما لم يخضع للتربية الإسلاميّة، أو تربية المدارس التوحيديّة. وهذه النفس بدون التربية سوف تبقى في باطنه، مضافاً إلى الشيطنة والأنانيّة. إنّ شرط تلبية الدعوة الإلهية إلى الضيافة هو انسلاخ هذه القلوب عن الدنيا. وهذا ما اهتمّ به أولياء الله، تهذيب النفس وانتزاع القلب ممّا سوى الله، والتوجّه الخالص إليه سبحانه. فكلّ المفاسد في العالم هي وليدة التوجّه إلى النفس في قِبال التوجّه إلى الله. وإنّ كلّ الكمالات التي تحقّقت للأنبياء والأولياء إنّما كانت نتيجة انسلاخ قلوبهم عمّا سواه تعالى، والارتباط به، وتتجلّى علامات هذه الأمور في أعمالنا وسلوكنا. لو فكّرنا بصورة صحيحة، ولاحظنا أحوال الإنسان، نجد أنّه مهما كان قويّاً، ومهما حقّق من آماله وأمانيه، فإنّه لا يحصل حتّى على واحد من ألف من هذه الآمال. بل إنّ تحقّقها بشكل كامل هو أمر مستحيل في هذا العالَم؛ فإنّ هذا العالَم هو دار التزاحم، وإنّ موادّه تتمرّد على الإرادة، كما إنّ ميولنا وأمنياتنا لا يحدّها حدّ، مثلاً، إنّ القوّة الشهوية في الإنسان تدفعه إلى التوجّه نحو النساء حتّى ولو كانت بيده نساء مدينة كاملة، وإذا أصبحت بلاد بأكملها من نصيبه لسعى نحو بلاد أخرى، ودائماً تراه يطلب ما لا يملك، فمِرجَلُ الشهوة يبقى مشتعلاً، ولا يصل الإنسان إلى أمنيته. وكذا الأمر بالنسبة إلى القوّة الغضبيّة، فإنّها قد خُلقت في الإنسان بصورة لو أنّه أصبح يملك الرقاب بشكل مطلق في مملكة ما، لذهب إلى مملكة أخرى لم يسيطر عليها بعد، بل إنّ كلّ ما يحصل عليه يزيد من هذه القوّة فيه. وعلى كلّ منكر لهذه الحقيقة، أن يراجع حاله وحال أهل هذا العالَم، كالسلاطين وأصحاب المال والقوّة والجاه، وحينها سيرى صدق هذا الكلام. إذاً، فالإنسان عاشق لما لا يملك، ولما ليس في يده، وهذه الفطرة أثبتها المشايخ العظام وحكماء الإسلام الكبار، وأثبتوا فيها الكثير من المعارف الإلهية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى