اخر الأخبار

ذنوب المؤمنين وبعدها الفردي والاجتماعي

من خلال مراجعة الروايات نرى أنَّ أئمَّة أهل البيت عليهم السلام تحدّثوا عن هذا النوع من الذّنوب بشكلٍ خاص، لأنَّ له بعدين: – البُعد الفردي: وهو الذي يكون نطاق أثره محصوراً بشخص المذنب. – البُعد الاجتماعي: وهو الذي يتعدى نطاق تأثيره الجانب الفردي ليطول المجتمع لأن المذنب ليس فرداً عادياً. فصاحب المقام الاجتماعي مثلاً، لو ارتكب ذنباً ما – وكان من الصغائر- فبالنسبة لشخصه فإنه يُعدّ صغيرةً، وأمّا بالنسبة إلى بُعده الاجتماعي فإنه يُعدّ كبيرةً؛ لأنه يوفّر الأرضية والبيئة للانحراف والإغواء للآخرين ما قد يؤدّي تدريجياً إلى الاستهانة بالأوامر المولوية لله تعالى. فقد رُوي أنّ الإمام الصادق عليه السلام خاطب شيعته قائلاً: “فإنّ الرجل إذا ورع في دينه، وصدق في الحديث، وأدّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري، فيسرّني ذلك، ويدخل عليّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه، وعاره، وقيل: هذا أدب جعفر”. ومن هنا كان ذنب المؤمن الذي يدّعي التولّي لأهل البيت عليهم السلام واتِّباعهم هو أشدّ من غيره، لأن ذنب الموالي ينسب لهم بالعنوان العام بنظر العرف، ولو كان على نحو التلميح والإشارة، وكفى بذلك توهيناً لأئمة الدِّين عليهم السلام وما يمثِّلونه من قيادة إلهية للناس. فقد روي عن الشَّقراني مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: خرج العطاء أيام أبي جعفرٍ المنصور وما لي شفيعٌ، فبقيتُ على الباب متحيّراً، وإذا أنا بجعفر الصادق عليه السلام ، فقمت إليه، فقلت له: جعلني الله فداك، أنا مولاك الشَّقراني، فرحَّبَ بي، وذكرتُ له حاجتي، فنزلَ ودخلَ، وخرج، وأعطاني من كمّه فصبّه في كمّي، ثم قال: “يا شقراني، إن الحَسَن من كلِّ أحدٍ حَسَنٌ، وإنّه منك أحسن لمكانك منّا، وإنّ القبيح من كلّ أحدٍ قبيح، وإنّه منك أقبح”. فالمفهوم من الرواية أن المقام الاجتماعي أو الديني، هو أحد أسباب شدّة قبح الذنوب، وأن فعل الخير والحسن، والطاعة التزاماً وتمسّكاً بالولاية، يترتّب عليه ثواب يتناسب مع هذا القرب والولاء والتمسُّك بهم، وهو ما عبَّرت عنه بعض الرِّوايات بعبارةِ “لمكانك منّ” أو “قربك منّ”. إن جميع نيران جهنم، وعذاب القبر والقيامة وغيرها مما سمعت، هي جهنم أعمالك التي تراها هناك كما يقول تعالى: ﴿… وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا…﴾. لقد أكلت مال اليتيم وتلذَّذت بذلك ولكن الله وحده يعلم ما صورة هذا العمل في ذلك العالم والتي ستراها في جهنم؟، وما نتيجة اللذة التي ستكون نصيبك هناك؟ الله يعلم أي عذاب شديد ينتظرك بسبب تعاملك السيّىء مع الناس وظلمك لهم في ذلك العالم؟ ستفهم أي عذاب قد أعددت لنفسك بنفسك، عندما اغتبت؟ فإنّ الصورة الملكوتية لهذا العمل قد أعدت لك وسترد عليك وتحشر معها، وستذوق عذابها، وهذه هي جهنّم الأعمال وهي يسيرة وسهلة وباردة وملائمة للعاصين، وأما الذين زرعوا في نفوسهم الملكة الفاسدة والرذيلة السيئة الباطلة كالطمع والحرص والجدال والشره وجب المال والجاه والدنيا وباقي الملكات، فلهم جهنم لا يمكن تصوّرها، لأن تصوّر تلك لا يمكن أن تخطر في قلبي وقلبك، بل تظهر النار من باطن النفس ذاتها، وأهل جهنم أنفسهم يفرون رعباً من عذاب أولئك، وفي بعض الروايات الموثقة أن هناك في جهنم وادياً للمتكبرين يقال له “سقر”، وقد شكا الوادي إلى الله تعالى من شدة الحرارة وطلب منه سبحانه أن يأذن له بالتنفّس، وبعد أن أذن له تنفس، فأحرق سقر، جهنم. وأحياناً تصبح هذه الملكات سبباً في أن يخلد الإنسان في جهنّم لأنها تسلبه الإيمان كالحسد الذي ورد في رواياتنا الصحيحة عن أبي عبدالله عليه السلام: قال: “إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الإيمَانَ كَمَا تَأْكُلَ النَّارُ الحَطَبَ”. وكحب الدنيا والجاه والمال…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى