اخر الأخبار

تكذيب الأولياء سنة الظالمين

3510

لقد تكرّرت مجموعة من التهم التي رُمي بها أصحاب كل الدعوات الإلهية والإصلاحية على مر الأزمان وكان من أمضاها وأبلغها (الاتهام بالكذب). تذكر الكثير من الآيات القرآنية أنّ تكذيب الدُّعاة والمصلحين ممّا دأب عليه الطُّغاة وأعوانهم الملتفّون حولهم والرَّعيَّة الفاسدة المتّبعة لهم، فما من داعية أو مصلح إلا وقد رموه بالكذب، وكان القصد من هذا الاتهام هو تنفير العامة، ووضع الحواجز والعراقيل بينهم وبين الدُّعاة المصلحين، ومن الآيات الصريحة في ذلك ما يأتي، قال تعالى: ﴿… إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ومن ذلك قول الملأ لنبي الله تعالى هود عليه السلام: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ . ولم يكن الأمر مختلفاً مع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم مع أنه كان مشهوراً لديهم من قبل بالصادق الأمين، إلا أنّ أئمة الكفر من قريش رغم علمهم بذلك وصفوه بالكذّاب، قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ، وكما تبين فإنها سنة متبعة عند الظالمين من عهد نوح عليه السلام وإلى يوم القيامة قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ . الكذب تهمة تذرّع بها كلّ الطُّغاة والفاسدين في مواجهة دعوة الأنبياء والمرسلين ودعاة الإصلاح وما لاقاه مولانا خاتم النبيين رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم من الأذى أكثر من أن يُحصى وأشهر من أن يُذكر، وما أوذي نبي مثل ما أوذي نبيّنا في الله، ولذلك ساد رُسُلَ الله عليهم السلام. قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ، فلمّا بعث الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى الناس كافة ليهديهم به إلى الصراط المستقيم قابله المشركون بما يستطيعونه من الأذى والمناوأة، وتأليب الناس عليه، وتحذيرهم منه، فوصفوه بأشنع الأوصاف، فقالوا: “إنه ساحر”، وقالوا: أخرى “إنه كاهن”، وقالوا: “مجنون”. هذا وهو أعلم الناس بماضيه المشرق الوضّاء، ولكن الذي حملهم على ذلك (الحسد والكبر)، ودوافع أخرى، وقد أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز أنّهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكوننّ أهدى من إحدى الأمم، فلمّا جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً واستكباراً في الأرض ومكروا به المكر السيّئ، ولا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله، وقال سبحانه وتعالى مخبراً عنهم: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ إلى أن قال مشيراً إلى حسدهم له صلى الله عليه وآله وسلّم: ﴿أءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ ، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ، ثم قال مخبراً عن اعتراضهم على الله في اختياره لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلّم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ، فأنكر عليهم ذلك، وبين أن الأمر أمره، والخلق خلقه، والفضل فضله يؤتيه من يشاء، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، فقال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، وقال تعالى ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ . وكان كلّما اشتدّ ألم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لتكذيب قومه لله تعالى, وداخله الحزن لأذاهم له كانت آيات القرآن تتنزّل على رسول الله تباعاً تسليةً له بعد تسلية, وعزاءاً بعد عزاء. قال تعالى ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ، ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ , ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ، ﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى