الوطن.. أم


أنفال عبد الباسط الكندري
كلما قررت أمي الرحيل أدخلت نفسي في حقيبتها, تعلمت ذلك منذ أن تركت جنة والدي لتدخل نفسها في جحيم رجل آخر, تركتنا أنا وأخوتي وأبي.. ثم تركها رجلها مع طفليها, ما زلت أذكر كيف أقحمت نفسي في حياتها كعبء ثالث, كانت في كل ليلة تفرش لحاف طفليها ليناما بجانبها وأنا تتركني لنفسي, أضمها فوق الكنبة الصغيرة, في كل ليلة حين كنت اسمع صوتها وهي تغني لصغارها ارفع اللحاف واشعل التلفاز وأنام على صوت الغرباء الذين يعيشون خلف الشاشة, أنام وأنا أحلم بكفها وبصوتها وهو يحبني وينادي عليّ.. بعيني أمي الجميلة وهي تحتضنني بدفء الدنيا, لكن كل صباح تدخل الشمس دون صوتها, افتح الستارة ولا يصل نور عينها ليضيء وجهي ويشرق بابتسامتها الحب.
منذ أن دخلت بيتها وحيدة أي منذ أن أتممت عشر السنوات وأنا أعد نفسي كل يوم بأنها ستحبني, تعلمت جميع الأشياء التي تفرحها, اجتهدت و تفوقت وكرمت في المدرسة ولكنها لم تحضر لمرة لتعانق معي فرحتي, أحببت اخوتي وأصبحت أماً ثانية ووطناً أصغر من جلالتها لكنها لم تلتفت, وكأنني لم أكن ابنتها أو جزءاً صغيراً منها, تكون حاضرة دائماً بكامل حرصها فقط من أجل تجهيزي لزواج مختلف لا يشبه زيجاتها الفاشلة التي وأدت بها أحلامها. كانت تلمسني لتتأكد من أن بشرتي ناعمة, كانت تلتفت لتتأكد من تغذيتي وعنايتي بشعري, كانت شديدة الحرص على أن لا يجرح شيء كفي وكأن مصيري مرهون بلونها وصفائها ونعومتها.
كانت تهتم بحلمها الذي تراه من خلالي.. بأن تقف بجانبي ولا تترك مجالاً ليقف أبي في تلك الصورة, وكنت أهتم بأن تجلسني يوماً واحداُ في قلبها, وحققت حلمها بي.. وأصبحت تلك الصورة لا تتسع لأبي وأخوتي, دخلت حياة جديدة بقلب قديم معلق على جدار الطفولة التي تنبع منها رائحة الحرمان أتقدم بخطواتي مع هذا الرجل وعيني تبح في الخلف عنها لكنني لم أجدها واقفة لتودعني, ستبدأ الآن حياتي الجديدة التي لا أعرف ما الذي أريده منها فهي لم تكن تخبرني بما سأفعله!
لكن الرجل الذي كنت معه كان يعرف جيداً ما يريده, كلما اقترب تأكد بأن اختلافنا في الملامح لا أكثر فقلبي قلبها.. كلماتي كلماتها.. صوتي صوتها, فأعادني لأنه ليس بحاجة إلى نسخة عن قلبها واهتماماتها, لقد كان يبحث عن ناتج جديد ينصهر به ويخرج منه مملكة مختلفة, لكنني لم أكن كافية لذلك لذا أعادني لأدخل نفسي في حقيبتها مرة أخرى ولأخبئ رأسي في قلبها لكنه كان ضيقاً لا يتسع لي, بقيت واقفة بجانب حقيبة وحدتي بين والدي الذي تركت منزله وبين حلمي بحنانها وقبولها لتلك القطعة الصغيرة التي وضعتها بين الأحياء الذين يزدحم بهم الكوكب, أحياء ولكن بلا قبول.. بنصف وجود وبلا وطن.



