مفوضية إنتخابات مركب ليس صالحاً للإبحار !
تبدو صورة المشهد العراقي أكثر قتامة من ذي قبل، لا سيما بعد نزول الجماهير الى الشارع عدّة مرات، دون أن تلمس من الطبقة السياسية، تفهما لحجم ما يواجهنا من أخطار، ومضي تلك الطبقة؛ في سياستها القائمة على الإنتفاع على حساب الشعب، وتسييرها الأمور وفقا لمصالحها.
في قضية تغيير مجلس مفوضية الإنتخابات، فإن مطالب جماهيرنا كانت بالحقيقة متواضعة جدا، بل كان من الأجدر أن يكون المطلب الرئيس، هو إلغاء مفوضية الإنتخابات من خارطة وجودنا، فهي كيان إداري لسنا بحاجة إليه قطعا، والعملية الإنتخابية بمجملها، لا تحتاج الى مؤسسة دائمة، بهذا القض والقضيض، وتجارب الأمم والشعوب التي سبقتنا بالعملية الديمقراطية، تشير الى أنها بنت مؤسساتها الدستورية ومجالسها النيابية، دون الحاجة الى مثل هذا الكيان الطفيلي.
تؤكد كلامنا هذا الأرقام الفلكية التي طلبتها المفوضية إياها، لإنجاز الإنتخابات المحلية في أربع عشرة محافظة فقط، فقد طلبت زهاء سبعمئة مليار دينار، وهو رقم مخيف بكل القياسات من جهة، ويكشف عن حقيقة صادمة من جهة أخرى، وهي ان ديمقراطيتنا ربما تمثل الأكثر كلفة، بين كل ديمقراطيات الكرة الأرضية، قياسا الى عدد أفراد شعبنا.
ما يفاقم المشكلة؛ هو أن مفوضية الإنتخابات؛ لا يفترض فيها أن تكون مؤسسة ذات بعد قانوني، او تشريعي أو قضائي، بل اقصى ما يجب أن يناط بها من واجب، هو أن “تنفذ” عملية إنتخابية سليمة، وليس لها أن تصدر تشريعات أو أنظمة، كما حصل في إصدارها أنظمة الإنتخابات، وهو أمر حساس جدا؛ يفترض أن تنهض به المؤسسة التشريعية.
ما يفاقم المشكلة ثانيا، هو أن المشرع العراقي إرتكب خطأ فاحشا، حينما أوكل إجازة الأحزاب الى المفوضية، برغم أنها مؤسسة تنفيذية، وكان من الأجدر أن تناط هذه المهمة الى جهة قضائية، يحددها مجلس القضاء، فهو الأقرب الى روح القانون والأكثر إستقلالية، من مفوضية الإنتخابات، التي لا يمكن الركون الى إستقلاليتها، كونها جسماً بني من ركام المحاصصة السياسية.
الحقيقة التي يجب أن نعيها، هي ان مفوضية الإنتخابات الحالية، والمفوضيات التي سبقتها بمجملها، هي نتاج عملية التوافق بين الكتل السياسية، والقائم على سياسة هذا لك وهذا لي، وهي لذلك لا يمكننا أن نتوقع منها، إلا ما ينفع القوى السياسية النافذة في المفوضية، والتي لا نشك بمقدار قيد أنملة، أنها تحرك المفوضية وفقا لمقدار نفوذها فيها.
إن المفكرين وأصحاب الرأي وصناعه، مدعوون في هذه اللحظة الفارقة من تارخ الوطن، الى التفكير أولا بطريقة عملية للخروج من “ورطة” وجود مفوضية للإنتخابات، إبتلعت مليارات الدولارات من قوتنا، بجيشها الذي يأكل من لحم أكتافنا، وأعطتنا مؤسسات لا تمثلنا التمثيل الحقيقي، وثانيا الى البحث عن بديل عملي مناسب، يمكنه تنفيذ عملية إنتخابات ديمقراطية سليمة، ونعتقد أنهم سيجدون ذلك باقرب فرصة.
كلام قبل السلام: لا يمكن أن نمضي الى موانئ الغد، بمراكب ليست صالحة للإبحار..!
سلام..
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



