هكذا مـهـِّد…


“… ولو أنّ أشياعنا وفّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا…” من توقيعه عجل الله تعالى فرجه الشريف الصادر إلى الشيخ المفيد. لا شك أنّ هناك نوعين من الانتظار أحدهما: يعبر عنه بالانتظار السلبي، وهو يعني القعود وترك العمل للظروف وحوادث الأيّام والثاني: هو الانتظار الإيجابي الذي يقترن بالعمل والجهاد وإعداد العدّة والاستعداد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف المبارك. وبعدّ أنَّ الإمام إنّما غاب نتيجة عدم نضوج الظروف الموضوعيّة لقيامه بالأمر، يكون الانتظار هو العمل على انضاج الظروف الموضوعيّة للمشروع المهدويّ، بمعنى العمل على استرجاع الغائب من غيبته، ولذا كان التعبير في التوقيع المذكور آنفاً. “… ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا…”. فالإنتظار يعني العمل والتمهيد، أي تمهيد الأرض لقيام دولة العدل الإلهيّ. وإنّه لشرف أعظم الشرف أن يكون المرء فاعلاً في تحقّق المشروع الإلهيّ هذا. فهل تستقيم للإمام عليه السلام الأمور بلا عمل؟ والجواب: نقرأه في إجابة الإمام الصادق عليه السلام لمن قال له: إنّهم يقولون: إنّ المهديّ لو قام لاستقامت له الأمور عفواً ولا يهريق محجمة دم، فقال عليه السلام: “كلا، والذي نفسي بيده لو استقامت عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أدميت رباعيته وشجّ في وجهه، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق ثم مسح جبهته”. ما أعظمها من رواية تلخّص المطلوب لنحقّق المشروع الإلهيّ الأعظم الذي يتحقق من خلال: اولا- حضور الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف وقيادته للمشروع… حين قال:… نحن… ثانيا- وجود أنصار مهيّأون وجاهزون… قال:… وأنتم… ثالثا- العمل مشترك من القيادة (الإمام) والقاعدة حيث عبر بـ:… نمسح…خامسا- العمل على نوعين: أ- جهدّ وكدّ وتعب: “… نمسح العرق…”. ب- جهادٌ بما يعني الجرح والقتل:… نمسح… والعلق…”. واللافت أن الإمام استخدم القَسَم مرتين بالذي نفس المعصوم بيده، مكرراً النفي بكلا بعد كِلا القَسَمين، الأولى لنفي التوهّم الوارد في السؤال عن عدم الحاجة إلى العمل والجهاد للتمهيد. والثاني لتأكيد احتياج الأمر إلى جهادٍ وبذل دماء.وهذا يعني وجود أفراد على جاهزيّةٍ عاليةٍ عقائديّاً ونفسيّاً وبدنيّاً ومن حيث الكفاءات لاستقامة أمر القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف. بالنظر إلى مشروع الدولة المهدويّة نستنتج أنّه مشروع شموليّ يشمل كلّ البشر، ولا يشمل فيهم الحياة الفرديّة، بل يشمل النظام العام والحياة العامّة من حكومة وأنظمة وغير ذلك.فالرواية تعبر بـ: “… يملؤها قسطاً وعدلاً…”. لا تعني فقط ملء الأمكنة والبلدان بل تشمل نواحي الحياة ولجميع أشكالها.وهذا يفترض وجود أفراد على كفاءة في هذه الميادين كافة . ثمّ إنّ العقبات التي تحول دون قدومه عجل الله تعالى فرجه الشريف والتي قد تواجه مشروعه بعد قدومه المبارك ليست أفراداً فقط، بل هي دول وأنظمة وجماعات منحرفة وظالمة وطاغية فهل يا ترى يمكن إزالة هذه المعوقات ومجابهتها بشكل فرديّ؟ إذا كانت عمليّة التمهيد عمليّة جماعيّة فهي تحتاج إلى أجهزة كما تحتاج أفراداً، وهي بما أنّها مشروع جماعيّ تفرض وحدة، والوحدة تفترض قيادة موحدة. لننظر ما يقوله التوقيع الشريف: “لو أنّ أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا…”. المكاتبة تتحدّث عن شرط الظهور وهو اجتماع القلوب، وهو عين معنى الوحدة والاجتماع وقوام الوحدة الوفاء بالعهد للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أي اجتماع على قضية المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. ومن نافل القول إنّ الانتماء العقائديّ لا يكفي لأنّه لو كان هو الشرط لكان الخروج من زمن قديم، بل إنّ الوحدة والاجتماع هما في إطار العمل وصبّ الجهد في مشروع التمهيد، لا بشكل عشوائي، بل بشكل منظم له قيادة وله نظام، فمن قائد هذه الحركة وهذا النظام؟ “أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا…”. القائد لحركة الممهّدين هو الوليّ الفقيه. فالوليّ الفقيه هو قائد هذه الحركة الجماعيّة والموحّدة، التي تحمل توقاً إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وهو الذي يقوم برعاية الجماعات والأفراد والأجهزة والمؤسّسات .



