الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية
الجزء الثامن
القوة الناعمة ثمرة تحالف قطاع تكنولوجيا الإتصالات والخارجية الأميركية
في عالم اليوم الذي يشهد انفجاراً للمعلومات، لم يعد هناك فرص كبيرة لنجاح واستقرار الحكومات من خلال الانقلابات العسكرية، وبسبب ضعف أدوات العمل الدبلوماسي الجغرافي التقليدي – دبلوماسية السفارات والقنصليات – ذات السمات الهادئة والبطيئة في معترك الديناميات الدولية المتسارعة، وأيضاً بسبب ضعف أدوات القوة العسكرية التقليدية كما بيّنا في المدخل. لذا اصبحت عقيدة التكنولوجيا السياسية political technology هي من يتحكم بعقل وزارة الخارجية الأميركية، وهي عقيدة معقدة تحتاج إلى مراكز أبحاث معمقة لإدراك أبعادها ودينامياتها ورصد تفاعلاتها وبرامجها. ويكفي لإدراك فكرة التكنولوجيا السياسية إجراء عملية تصفح سريعة لموقع وزارة الخارجية الأميركية والبحث عن تطبيقات برنامج المجتمع المدني 02, 03 وهي تطبيقات هدفها تأسيس مجتمع مدني وشبكات شبابية ناشطة ونخبة سياسية جديدة قادرة على التواصل والتأثير السياسي عبر منافذ التكنولوجيا تويتر/ يوتيوب / فيسبوك / المدونات الشخصية/ الخ لصنع المعادلات والأجندات وفق الرغبات الأمريكية. والأخطر هو نشر الثقافة السياسية، وأساليب وأنماط الحياة الأميركية. ومن يبحث في أرشيف موقع وزارة الخارجية الأميركية يعثر على مئات وآلاف الأبحاث والمقالات التي تتحدث عن تلك العقيدة، ويكتشف مقدار تغلغلها في بنية العقل الأميركي الراهن. ويكفي أن نشير الى كتاب “العصر الرقمي” الذي صنفه كل من جارد كوهين مدير قسم غوغل للأفكار Idea Google وهو في نفس الوقت عضو لجنة تخطيط السياسات في الخارجية الأميركية، وإليك روس مستشار شؤون التقنيات في الخارجية الأميركية، وإريك شميدت المدير التنفيذي لشركة غوغل العالمية Google للتأكد من هذا المنحى . ورغم خطورة عقيدة “التكنولوجيا السياسية” إلا أنها تعرضت لانتقادات شديدة في شقها المتصل بمنطقة الشرق الأوسط، قادها الجيل الأميركي السابق من أمثال هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأشهـر، واصفاً إياها بإستراتيجيات “القوى الإلكترونية” التي لن تتمكن من شطب القوى والمؤسسات التقليدية كالجيوش والتنظيمات والشبكات الإسلامية وهو نقاش يعكس تجاذب المفاهيم والأجيال لدى الإدارة الأميركية. وهو ما يساعد على فهم نقاط ضعف الحرب الناعمة. وتقضي عقيدة التكنولوجيا السياسية التي تعد الأداة الفعلية للحرب الناعمة، بتعديل ميادين ووظائف الحروب والمشاريع والإستراتيجيات السياسية والعلاقات الدولية، والانتقال من الميدان العسكري إلى الميدان الناعم، وبدلاً من الضغط من أعلى، أي الضغط على الحكومات والأنظمة والجيوش، يتم الضغط من أسفل، أي عن طريق منظمات المجتمع المدني وشبكات الناشطين، وبدلاً من الضغط عن طريق السفارات والعلاقات والتصريحات الرسمية، يجب الانتقال للتحرك في الميادين والشوارع العامة، ونقل الملفات من النقاشات الثنائية بين الإدارة الأميركة والحكومات، إلى مستوى النقاشات والحوارات الفضائية، وعبر شبكات الإنترنت ومواقع يوتيوب youtube / ومواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وبدلاً من استراتيجية نشر الكتب أيام الحرب الباردة، تم إعداد برامج وأدوات (رسائل SMS / whatsapp) لنشر الثقافة الأميركية من خلال الهواتف الذكية، وبدلاً من هدر الجهود وقضاء الأوقات المرهقة في بناء التحالفات والعلاقات مع الأحزاب التقليدية واستقطاب النخب الثقافية والسياسية، تم استقطاب وتدريب آلاف الناشطين وفق أحدث البرامج والتقنيات التي تنتجها التكنولوجيا السياسية الأميركية. وتم إنشاء آلاف المنظمات الشبابية، وتمويل وتوجيه آلاف منظمات المجتمع المدني وناشطي شبكات الإنترنت في شتى أصقاع العالم. وبناء عليه، بدلاً من السيطرة عبر الحروب العسكرية المكلفة والعمل الدبلوماسي والسياسي الطويل الأجل، تم اعتماد الدبلوماسية الشعبية والرقمية، واصبحت التحركات تدار عن بعد عبر ناشطين من أبناء جلدة الشعب المستهدف، بعد إعداد دليل للتكتيكات وطرق تنظيم الاحتجاجات الميدانية ورفع الشعارات الإصلاحية والمطلبية وتعبئة الحشود وارباك السلطات عبارة عن 198 تكتيكاً . بما يكفل إحتلال الميادين العامة وإثارة الغبار الاعلامي وتبديل جدول الأعمال السياسي تمهيداً للوصول إلى قلب وتحويل الأوضاع السياسية في أقصر مدة زمنية ممكنة. وما شاهدناه مع نماذج الثورات الملونة والمخملية والناعمة في شوارع صربيا وأوكرانيا وفنزويلا وطهران وتونس ومصر وطرابلس الغرب ودمشق وصولاً إلى روسيا والصين يؤكد هذه العقيدة، مع الإشارة إلى أن أسماء هذه الدول والأنظمة وردت حرفياً ضمن لائحة الدول المعرضة للتغيير السياسي وفق استراتيجيات الأمن القومي الأميركي، حسب وثائق رسمية صارة عن دوائر البنتاغون ووزارة الخارجية وبعض المراكز البحثية النافذة، ومنذ عقد من الزمن على الأقل.



