اراء

الصين تنهض .. فهل لنا ان نستفيد من تجربتها ؟

3154

الجزء الأول
محمود الهاشمي

الازمة العربية تتفاقم في كل عام , وقد اصيب العرب بخيبة كبيرة وخذلان من الغرب الذي جعلهم مجرد بقرة حلوب تدر عليه الثروات دون ان يلمسوا منه ما ينفع , حيث لم يساهم الاستعمار الغربي في اعاقة جهود التحديث والنهضة في العالم العربي وحسب , بل انه ساعد على ادامة التأخر والتعطل الحضاري وإدامة الاستبداد ورعاية الحكام المتجبرين والدفاع عنهم وإدامة امد حكمهم , وكذلك تكريسه عوامل الخلاف العرقي والطائفي والقبلي لإدامة بقائه والانتفاع من ذلك , ولو اقتضى الامر اقامة حروب , ناهيك عن انحيازه ضد القضايا العربية المشروعة , خاصة في دعمه للمشروع الصهيوني والذي يعد من أكبر العوامل المعطلة للنهضة . ان الولايات المتحدة التي ورثت النموذج الامثل للنظام الاستعماري الغربي , دأبت على ذات الاتجاه في ادارتها لحياة الشعوب التي تقع تحت نير استعمارها , ومنهم العرب بل ربما كانت أكثر قسوة , متمثلة في استخدامها للأسلحة الذرية ضد خصومها كما حدث مع اليابان , وفي ابادة دول بعينها كما حدث مع حرب الثمانية اعوام مع فيتنام, وآخر ما كان مع العراق وتدميره سواء عام 1992م أو خلال احتلاله للعراق عام 2003م حيث دمرت البنى التحتية للبلد من خدمات ومصانع ومؤسسات , وأوجدت الحرب الاهلية بين ابناء الشعب وقسمت العراق الى كونتات طائفية وعرقية , ثم ساهمت في ترسيخ ذلك عبر صناعة عملية سياسية مبنية على الطائفية والعرقية , وانتهت الى تصنيف العراق على انه الثاني عالميا من حيث الفساد الاداري والمالي عالميا !! تمر الدول العربية عموما بانسداد عام لتجربتها السياسية , حتى لا تكاد تجد تجربة عربية واحدة ناجحة , ودون ادنى مشروع تنموي , ومازالت الثروات العربية تهدر دون ادنى استفادة منها , بل سخرت اموالها للحفاظ على الاستبداد والظلم, وإدامة الحروب وتهديم ما تم بناؤه على بساطته اوسعته , فيما مازلنا نضع جميع بيضاتنا في السلة الغربية , مع علمنا انها تحطمها بين الفينة والأخرى , واخطر ما جاءنا من الغرب هو (الربيع العربي) الذي أفرغ الطاقة التغييرية لدى العربي لأنظمة الحكم المستبدة , حيث دخل الغرب على الازمة وأشاع الفوضى والحروب ووفر الظروف والبيئة المناسبة لإشاعة الارهاب في بلداننا , وأضاع علينا فرصة النهوض ثانية . المجتمع العربي , يعيش حالة من الاحباط والانكسار وهذا ما دفع بالآلاف من ابنائه للفرار من بلدانهم بوسائط نقل بدائية عبر البحار وان يفضلوا الغرق في المياه بدلا من ان لا يروا وجه حكامهم الكالح وهم يسرقون الثروات ويبتزون شعوبهم ولا من أمل يلوح بالأفق , لا على المستوى الداخلي ولا الخارجي , وان الغرب الذي خدعنا بالحرية والتطور اخفى وجهه وشطب على كل الاتفاقيات والمعاهدات التي بيننا وبينه وآخرها ان الرئيس الاميركي الجديد (ترامب) يعلن بضرورة (احتلال ابار النفط في العراق), ليعيدنا الى المربع الاول للاستعمار , بدلا من ان يدعو الى تفعيل الاتفاقية الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة !!.
لا اقول ان اسباب الازمة الحضارية العربية خارجية محضة , فالتخلف والتردي لابد ان يكون له جذر داخلي يكون السبب الرئيس للازمة , وفي مقدمته ان العرب دائما يواجهون ازماتهم بالرد المغرق, في التراثية – بحذافيره – باعتبار ان الماضي مرشد للحاضر , وهو نزوح لم يستطع ان يواجه (شدة البراغماتية) التي اعتمدتها الدول المستعمرة في الوصول الى اهدافها في قهر ارادة الشعوب الاخرى والسيطرة على الثروات التي هي السبب المهم في التطور الحضاري والتراكم المادي. اذن نحن امام خيارين جديدين لإنقاذ شعوبنا مما هي عليه , الخيار الاول هو (الداخلي) في الاستفادة من التاريخ بكل ما يحمل من قوة وطاقة في شحن الهمم , وعدم النظر له بقدسية مفرطة , بل ان مرتكزاته هي الاساس الذي تنطلق منه التوجهات الجديدة الفاعلة وان الاستغناء عن الموروث يعني اجلاس الامة على فراغ , واضرب مثلا على ذلك , ان (الأوراق الفدرالية) التي كتبها ثلاثة أعلام من أعلام الفكر السياسي الأمريكي وهم جيمس مادسون، والكسندر هاملتون، وجان جي. وقد نشرت هذه الأوراق التي بلغ عددها 85 ورقة في الصحف المحلية في ولاية نيويورك مخاطبة أهالي تلك الولاية منذ النصف الثاني من عام 1787 وحتى منتصف 1788 تقريباً. بذكر بعض من الدروس والتي من الممكن أن يستفيد منها القارئ العربي. في هذا الجزء من العالم بالأهمية الكبيرة لهذه الأوراق خاصة وهو يستعد للبحث عن بديل لواقعه المؤلم . فالدرس الأول الذي يمكن تعلمه من هذه الأوراق هو كيفية التعلم من الأحداث التاريخية. فهذه الأوراق تذهب إلى أعمق من مجرد وصف الأحداث إلى تحليل الأسباب التي أدت إليها، فمثلاً ماذا يستطيع الشخص أن يتعلم من الديمقراطية اليونانية ؟ كيف يمكن أن نتجنب تكرار حدوث نظام إسبارطة الدكتاتوري ؟ ما هي الدروس الرئيسة التي يمكن أن نتعلمها من التجربة الرومانية ؟ ما هي الأخطاء التي حصلت في العصور الوسطى ؟ فهذه الأوراق لا تصف الأحداث فقط ولكنها تقترح الحلول من أجل عدم تكرار هذه الأخطاء. فهي تقترح دستوراً فدرالياً لتخفيف الآلام والشرور لأي نظام سياسي. الدرس الثاني الذي نتعلمه من هذه الأوراق هو أن الثورة التي تهدف إلى بناء دولة عصرية وأمة عصرية وتتوقف عند إعلان استقلالها، ليست بثورة. فهذه الأوراق تخبرنا بكل وضوح أن الثورة هي وسيلة وليس غاية بحد ذاتها، حيث يجب من خلالها تحقيق الحرية والعدالة والسعادة للجميع. فالثورة هي عملية مستمرة تغير قوانينها تبعاً لهذا العالم المتغير. وحيث أن الطبيعة محكومة بالقوانين المتغيرة، عليه يجب أن تساير قوانين الأرض هذا التغيير. وقد قامت الثورة الأمريكية من أجل تحقيق العدالة والازدهار على حسب قول كرين برنتون Crain Brinton في كتابه الثورات الكلاسيكية “The Classical Revolution” فهذه الثورة قامت ضد السلطة التي تحجب حرية الفرد وتمنعه سعيه من أجل تحقيق السعادة. فقد صارعت لإقامة نظام جديد لم يوجد مسبقاً. كانت ضد سلطة القوى الخارجية أو سلطة الحكم الفرد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى