رحيل إبراهيم النقاش “خادم الإمام” الذي أنطق خشب أبواب العتبة الكاظمية المقدسة

استشهد ولده بتفجير إرهابي
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
رحل صباح اليوم الأربعاء، الفنان إبراهيم علي ميرزا، المعروف باسم إبراهيم النقاش، بعد رحلة طويلة كرّسها للحفر على الخشب واستعادة الذاكرة البغدادية في أعماله والملقب بـ”خادم الإمام” الذي أنطق خشب أبواب العتبة الكاظمية وحوّلها الى لوحات ابداعية.
وعلى مدى عقود، ارتبط اسمه بمشاهد الشناشيل والأزقة والأسواق الشعبية، كما ترك أثرًا واضحًا في فضاء الكاظمية، حيث عمل وأنجز ودرّب، حيث ظلّ الخشب مادته الأقرب إلى التعبير عن التراث العراقي.
والنقاش، المولود في بغداد سنة 1952، ارتبط اسمه على نحو خاص بالأعمال الخشبية التي استحضرت الشناشيل، والأزقة القديمة، والأسواق الشعبية، وملامح الكاظمية التي ظلّت حاضرة في كثير من نتاجه، حتى غدا واحدًا من الأسماء العراقية المعروفة في هذا الفن الدقيق الذي جمع عنده بين الحرفة والذاكرة.
تخصص النقاش في النحت والحفر على الخشب، وتخرّج في معهد الفنون الجميلة، وكان عضوًا في نقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين ودار التراث الشعبي.
سير قديمة عنه تضع بداية عمره الفني منذ عام 1970، فيما تربط تغطيات لاحقة انطلاقته الأوضح في المعارض والعمل المتواصل بسنة 1987.
وأهم ما يميّز سيرة الراحل النقاش، أن مشروعه كله تقريبًا دار حول الخشب باعتباره مادة ذاكرة، حيث نشأ شغفه منذ الطفولة مع الرسم وصناعة المجسمات الصغيرة، ثم تعزز حين عمل في النجارة مع معلمه الأول، محمود الفخري، ومنها اتجه من نقش الأبواب والكراسي إلى إنجاز لوحات فنية كاملة تستعيد البيوت البغدادية القديمة، الشناشيل، الأسواق الشعبية، الأزقة، النخيل، والمشاهد التراثية.
وفي مقابلة صحفية سابقة، شرح أن اختياره للخشب جاء من افتتانه المبكر بهذه المادة ومن صعوبة تطويعها، وأنه كان يفضل خشب الساج والبلوط لملاءمتهما مناخ العراق ومقاومتهما للحشرات.
ورشته كانت في الكاظمية، شارع المفيد، قرب سوق النجارين، وتحولت مع الوقت إلى علامة يعرفها الزوار والمهتمون بالفن التراثي، حيث كتبت تقارير صحافية عنه تصفه فنانًا أمضى أربعة عقود أو أكثر وهو يحفر بغداد على الخشب، حتى إن بعض طلابه أطلقوا عليه لقب “شيخ النقاشين”، فيما نقلت عنه حوارات قديمة أنه كوّن أسلوبًا خاصًا شديد الصلة بالتراث حتى عُرف بين بعض معاصريه بلقب “عاشق التراث”، وسعى إلى نقل خبرته إلى الشباب، حتى ان تلميذاً صغيراً كان يتعلم لديه خلال العطلة المدرسية.
والنقاش أنجز أكثر من 680 عملًا فنيًا ومنحوتاً بمقاسات مختلفة، على مدى أربعة عقود، حيث ان أعماله كانت توثيقًا بصريًا للهوية العراقية، ولم تتوقف عند الزخرفة التراثية، إذ تناولت أيضًا الحصار، الحروب، أزمات السياسة، التصحر، والجفاف. ومن المعروف أنه كان يعمل، على موضوعات فولوكلورية وتراثية، ومعها تقترب من الحداثة والمعاصرة عبر رموز وأشكال ذات دلالات تعبيرية.
أما على مستوى المعارض والنشاط الفني، فإن حصيلة مشاركات النقاش، تجاوزت ثلاثين معرضًا بين شخصي وجماعي منذ 1987، ومن المشاركات الخارجية، فرنسا 1998، لندن، فنزويلا/ كاراكاس 2000، والأردن وإيران وتركيا وهولندا، إلى جانب معارض بغداد والمحافظات، مع قائمة تضم مهرجانات ومعارض مثل مهرجان بغداد الدولي 1988، مهرجان الخط والزخرفة الإسلامية 1993، الفن العراقي المعاصر، أي أنه كان حاضرًا داخل العراق وخارجه على امتداد طويل.
وقالت الأمانة العامة للعتبة الكاظمية المقدسة، في تغطية نشرتها عام 2020: إن الفنان إبراهيم علي ميرزا، المعروف بإبراهيم النقاش، كان يعمل داخل مشغله ومعرضه الدائم الذي خُصص له في الصحن الكاظمي الشريف، حيث أنجز أعمالاً جديدة من بينها درع خشبي تكريماً للملاكات الطبية والصحية والجهات الساندة خلال جائحة كورونا، إلى جانب قطع فنية صنعها من بقايا الخشب القديم المستبدل في أعمال التأهيل وبقايا الكاشي المزخرف لتقديمها هدايا للوفود الزائرة، فيما وصفه خبر النعي الرسمي للعتبة بـ”الخادم إبراهيم علي ميرزا النقاش”، في إشارة إلى صلة طويلة جمعت تجربته الفنية بخدمة المكان، حيث أسهم أيضاً في تنفيذ نقوش أبواب الحضرة الكاظمية والخطوط والآيات القرآنية فيها.
ويصف النقاش نفسه في إحدى المقابلات، بأنه إنسان بسيط محب للإنسانية يؤلمه كل خروقات يراها في بلده يتمنى ان يخدم الناس بكل ما يستطيع، متزوج وأب لأربعة أولاد وبنت واحدة.
حرمت أيادي الإرهاب منزله من بهجة البيت، اللقب الذي يطلقه على ولده، الذي استشهد في أحد التفجيرات الإرهابية.



