اخر الأخبار

الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية

3090

الجزء السابع

تطابق تجربة الحرب الثقافية زمن الحرب الباردة مع إستراتيجية الحرب الناعمة اليوم
لو عدنا عقوداً الى الوراء، لوجدنا تطابقاً بين هذه العينة وبين أساليب قديمة استعملتها الإدارة الأميركية وحليفتها بريطانيا لتحويل الكتلة السوفياتية والشيوعية من الداخل فيما سمي الحرب الباردة. وهو ما وثقته بالتفصيل عام 2000 الكاتبة البريطانية المتخصصة بالقصص الوثائقية فرانسيس ستونر سوندرز في كتابها الذي حاز على شهرة عالمية وترجم إلى اللغة العربية تحت عنوان “الحرب الباردة الثقافية، المخابرات المركزية الأميركية وعالم الفنون والآداب” ناشرة قصص المئات من المثقفين والفنانين والموسيقيين والآدباء ذوي الشهرة العالمية الذين كانت تدعمهم وتمولهم سراً المخابرات الأميركية لتحويل المنظومة الفكرية للكتلة الشيوعية من الداخل خلال الحرب الباردة 1950 – 1990 تحت ستار منظمة “الحرية الثقافية”. وتطابق هذه الأساليب ما قامت به الإدارة الأميركية وحلفاؤها لتحويل و”تغيير شخصية” نظام الجمهورية الإسلامية في إيران وفق التعبير الأميركي، وتطابق برنامج “إضعاف جاذبية حزب الله” الذي كلف نصف مليار دولار وفق شهادة السفير الأميركي السابق في بيروت جيفري فيلتمان أمام لجان الكونغرس الأميركي . إذاً، هذه العينات من البرامج الثقافية والإعلامية والتلفزيونية والسياسية هي موارد القوة والقدرة الأميركية الناعمة، التي تحضر للاستخدام حين تحين الفرصة المناسبة، بهدف إحداث إنقلابات وتحولات في البيئة الثقافية والسياسية للدول والأنظمة والجماعات والمنظمات “المارقة” “والمعارضة للمشروع الأميركي”. وقديماً، عندما خططت بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية في عام 1953 لعملية إسقاط حكومة الزعيم الوطني الإيراني محمد مصدق وإعادة الشاه إلى الحكم التي سميت “أجاكس” Ajax استلزم الأمر إعداد وتجهيز خطة بالتنسيق مع جنرالات في الجيش الإيراني وعلى رأسهم فضل الله زاهدي، وشراء عصابات إيرانية من قبضايات أحياء طهران أمثال شعبان جعفري الذي تولى جمع بعض الشباب المنحرفين من بعض المناطق المهمشة وجرى شحنهم بوساطة باصات النقل العام، وأوكل إليهم رفع شعارات سياسية في الشوارع وتخريب بعض المنشآت، كما تم شراء ذمم بعض علماء الدين صدحت حناجرهم من على بعض المنابر في طهران بشعار “يسقط محمد مصدق العميل الشيوعي الكافر” ما أدى إلى سيطرت هؤلاء على ميادين وشوارع طهران ومحاصرة البرلمان والإستيلاء على إذاعة طهران، وإعلان سقوط محمد مصدق وعودة الشاه . لكن في الخمسينات من القرن العشرين لم يكن هناك فضائيات، ولا شبكات انترنت، ولا شبكات تواصل اجتماعي (تويتر وفيسبوك)، ولا هواتف ذكية “موبايلات” مزودة بكاميرات ترسل الصور بصورة فورية من الشوراع لتغطية الأحداث لحظة بلحظة لنشرها على youtube بسهولة فائقة وتغيير المشهد السياسي المستهدف. وبناءاً عليه، جاءت عملية “أجاكس 2” في القرن الواحد والعشرين وتحديداً في 4 حزيران من عام 2009 قبل أسبوع من موعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية بعدما أعلن الرئيس الأميركي أوباما من على منبر جامعة القاهرة اعتذاره “الناعم” والماكر للشعب الإيراني عن إنقلاب CIA في الخمسينات على حكومة مصدق، وهو الإعتذار “الخديعة” حيث لم يكن إلا كلمة السـر Password لعملية إسقاط النظام الاسلامي من خلال احداث الفتنة الرئاسية التي نشبت بعد 12 حزيران لعام 2009 ، اما الفارق فيكمن في قفزات نوعية وكمية طرأت على مستوى الأدوات والأساليب، حيث دفع الجيل الرابع من التكنولوجيا السياسية في هذا العصر الرقمي إلى حتمية في تغيير الإستراتيجيات والتكتيكات والأشخاص والمسميات. في الخمسينات كانت الإدارة الأميركية وبريطانيا تقومان بالانقلابات العسكرية بصورة شبه علنية تحت ستار محاربة المد الشيوعي والسوفياتي، وتحت ضغط وتهديد القوة العسكرية وشن الحروب النفسية وتمرير العمليات الاستخباراتية السرية، أي أدوات القوة الصلبة Hard Power وهو ما حدث في إيران ومصر وسوريا والعراق وتركيا وتشيلي ونيكارغوا وعشرات الدول في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وصل تعدادها إلى 80 انقلاباً وفق الصحافي الأميركي تيم واينر أهم مؤرخ ومحقق في أرشيف وكالة (CIA). القوة الناعمة ثمرة تحالف قطاع تكنولوجيا الاتصالات والخارجية الأميركية في عالم اليوم الذي يشهد انفجاراً للمعلومات، لم يعد هناك فرص كبيرة لنجاح واستقرار الحكومات من خلال الانقلابات العسكرية، وبسبب ضعف أدوات العمل الدبلوماسي الجغرافي التقليدي – دبلوماسية السفارات والقنصليات – ذات السمات الهادئة والبطيئة في معترك الديناميات الدولية المتسارعة، وأيضاً بسبب ضعف أدوات القوة العسكرية التقليدية كما بيّنا في المدخل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى