إخوان الثقة وإخوان المكاشرة


قبل أن نتحدّث عن حقوق الإخوان ونتعرّف إلى ما ينبغي القيام به أو الاجتناب عنه في تعاملنا معهم، نتعرّض لتصنيفهم حيث إنّهم ليسوا بمرتبة واحدة بل بعضهم أفضل من بعض، لأنّ فيهم من لا يُمكن الاستغناء عنه بحال من الأحوال لأنّه كالغذاء اليوميّ وفيهم من ليس كذلك، وبالإمكان الابتعاد عنه لمدد محدّدة أو طويلة، ولنأخذ بيان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المجال مع شيء من التفصيل. في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: “الإخوانُ صنفانِ إخوانُ الثقةِ وإخوانُ المكاشرةِ” فأمَّا إخوانُ الثقةِ، فُهم الكفُّ والجناحُ والأهلُ والمالُ، فإذا كنتَ من أخيكَ على حدِّ الثقةِ، فابذلْ لهَ مالَك وبدنَك، وصافِ من صافاهُ وعادِ من عاداهُ، واكتمْ سرَّهُ وعيبَهُ، وأَظهِرْ منهُ الحسنَ، واعلمْ أيُّها السائلُ أنَّهم أقلُّ منَ الكبريتِ الأحمرِ وأمّا إخوان المكاشرةِ، فإنَّك تصيبُ لذَّتكَ منهُم، فلا تقطعَنَّ ذلكَ منهُم، ولا تطلبنَّ ما وراءَ ذلكَ من ضميرِهم وابذلْ لهُم ما بذلوا لك من طلاقةِ الوجهِ وحلاوةِ اللسان. لقد بيّن عليه السلام في هذا التصنيف شكلين من العلاقة الأخويّة يُمكن أن نطلق على المرحلة الأولى المعبّر عنها بــ”إخوان الثقة” العلاقة العميقة المتينة في أبعادها الرساليّة، بما يكنّه كلّ واحد للآخر من مودّة ووفاء واحترام، وبما هما عليه من وحدة في المنطلق والهدف، وصدق في الكلمة والموقف، وضرورة أنّ الأفعال بينهما معرِبة دائمًا عن الأقوال، فلا زيف ولا مداهنة ولا مجاراة، ولذلك من الطبيعيّ أن يكون حالهم ما ذُكر في الحديث الشريف، فهم أهل الصلاح والصدق والأمانة الّذين يوثق بهم في الدين وموافقة ظاهرهم لباطنهم، والثقة بهم هي سبب البذل لهم وإعانتهم ومصافاتهم ومعاداة أعدائهم وكتمان أسرارهم، وإظهار محاسنهم، وإخفاء مساوئهم وهم الكفّ والجناح أي هم قوّة يُمكن الاعتماد عليها في كفّ الأذى ورفع الباطل، والاستعانة بها في الموارد الّتي يُحتاج فيها إلى عون. وأمّا الشكل الثاني من العلاقة المعبّر عنها بــ “إخوان المكاشرة” فيُمكن وصفها بالعلاقة السطحيّة الّتي لا تتعدّى الظاهر والمجاملة والمقابلة بمعنى أنّها مقتصرة على دلالات الوجه واللسان دون البناء على ما وراء ذلك من داخل الآخر، فلذا لا يُمكن أن يكون هذا الصنف بمثابة الصنف الأوّل بالتعويل عليه ومكاشفته بالشؤون الخاصّة وإيداع الأسرار لديه، بل يندرج نمط الإرتباط هذا في حدود الشكل لا المضمون.



