اخر الأخبار

الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية

3113

الجزء الخامس

أسباب تحول الإدارة الأميركية نحو الحرب الناعمة:
هناك مجموعة من المتغيرات فرضت الانتقال من ميادين القوة الصلبة إلى ميادين القوة الناعمة، وقد أفصحت عن خلفياتها هيلاري كلينتون وزيرة خارجية أميركا سابقاً في خطابها أمام مجلس العلاقات الخارجية في الكونغرس قائلة “ان أميركا لا تستطيع وحدها أن تحل المشاكل والأزمات الدولية الملحة، كما أن العالم لا يستطيع حلها بدون أميركا، فاليوم، يتحتم علينا أن نقر بحقيقتين لا مفر منهما يحددان مسار عالمنا: أولهما، إنه لا توجد دولة قادرة على مجابهة التحديات التي يواجهها العالم بمفردها. فالقضايا الماثلة أمامنا بالغة التعقيد. إذ يوجد هناك عدد كبير جداً من اللاعبين يتنافسون على النفوذ، ابتداء من القوى الصاعدة إلى الشركات إلى منظمات الكارتل الإجرامية, ومن المنظمات غير الحكومية إلى تنظيم القاعدة, ومن وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة إلى الأفراد الذين يستخدمون موقع “تويتر” المفتوح على الإنترنت، وهو ما يحتم على الإدارة الأميركية اعتماد القوة الذكية التي تدمج القوة الصلبة بالقوة الناعمة”. وعرفت كلينتون القوة الذكية بأنها ترجمة لنهج محدد في خمسة مجالات: أولاً، نعتزم تحديث وخلق آليات للتعاون مع شركائنا, ثانياً، سوف نتابع الحوار القائم على المبدأ مع أولئك الذين يختلفون معنا, ثالثاً، سوف نقوم برفع مستوى التنمية لجعلها ركيزة أساسية للقوة الأميركية, رابعاً، إننا سندمج العمل العسكري والمدني في مناطق النزاعات, خامساً، سوف ندعم مصادر القوة الأميركية الرئيسة، بما في ذلك قوتنا الاقتصادية وقوة مثلنا العليا. وهو التحول الذي أطلق عليه جوزيف ناي منظر القوة الناعمة بعامل “تغيير سياق وطبيعة القوة” حيث “إن القنابل النووية أصبحت تشبه البطل المربوط المكبل اليدين، فلا تستطيع ردع المجموعات الإرهابية الصغيرة، ولا حتى مجموعات القراصنة على شبكات الإنترنت”.وأضاف أن “هناك تغيرين أساسين للقوة في القرن الحادي والعشرين. أحدهما هو التحول بين الدول من الغرب إلى الشرق والذي يمكن أن نطلق عليه تعافي آسيا، فقد عاد وضع آسيا إلى التوزيع الطبيعي، نظرًا لأنها كانت تمثل نصف سكان العالم وبالتالي نصف إنتاجه وهو ما غيرته الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. والتغير الثاني للقوة هو توزيعها بعيداً عن كل الدول الغربية إلى أطراف من غير الدول، نتاجًا للانخفاض الاستثنائي لتكلفة عمليات الكومبيوتر والاتصالات التي نتجت عن ثورة المعلومات الحالية. وهو ما مكن أساساً الأطراف من غير الدول والأفراد لكي تفعل أشياء كانت من قبل تقتصر على الحكومات أو المؤسسات الكبرى”. وهو ما أكده زبغنيـو برجنسكي أهم مستشار للأمن القومي الأميركي قائلاً “كانت قنبلة نووية واحدة كافية لتحقيق السيطرة والردع العسكري والنفسي بمواجهة مجموعة دول وأمام ملايين الأشخاص، لكن اليوم في عصر الانفجار المعلوماتي وثورة الاتصالات لم يعد بمقدور مجموعة قنابل نووية تأمين تلك السيطرة وذاك الردع النفسي على عقول وقلوب الملايين” . وأفصح عن هذا العامل أيضاً وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غايتس قائلاً “ان ترسانة وذخيرة السلاح من الرصاص والصواريخ والقوة النارية لا تكفي لمواجهة الأعداء وحسم المعركة، ورسالتي اليوم ليست لدعم زيادة ميزانية الدفاع أو تعزيز القوة العسكرية، بل لتعزيز القوة الناعمة، وبصفتي وزير دفاع ومستشاراً لـ 7 رؤساء للجمهورية في أميركا، ورئيساً سابقاً لوكالة الإستخبارات CIA، أقول أن هناك ضرورة لتعزيز استخدام القوة الناعمة لتكون قوة رديفة الى جانب القوة الصلبة” أما عن الأسباب التي أجلت الأخذ بالقوة الناعمة حتى سنة 2008 فهو الصراع السياسي بين المجمع الصناعي العسكري ووزارة الدفاع “البنتاغون” اللذين يسيطـر على ميزانية سنوية تقدر بـ 700 مليار دولار من جهة، وبين وزارة الخارجية التي تملك ميزانية لا تزيد عن 36 مليار دولار. وهو ما ظهر في النقاشات الحادة للجنة الكونغرس المكلفة بدمج القوتين الصلبة والناعمة، حيث جرت حرب كلامية وفق تعبير جوزيف ناي، لجهة توزيع ميزانيات وزارة الدفاع التي تمثل القوة الصلبة العسكرية والاقتصادية، ووزارة الخارجية التي تمثل القوة الناعمة من خلال وكالة التنمية الأميركية الدولية USAID وعشرات الوكالات الفرعية الأخرى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى