اخر الأخبار

خطة للعمل بالعلم

يقول الإمام الباقر عليه السلام في وصيّته لجابر: “وَادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ حَاضِرَ الشَّرِّ بِحَاضِرِ الْعِلْمِ، وَاسْتَعْمِلْ حَاضِرَ الْعِلْمِ بِخَالِصِ الْعَمَلِ، وَتَحَرَّزْ فِي خَالِصِ الْعَمَلِ مِنْ عَظِيمِ الْغَفْلَةِ بِشِدَّةِ التَّيَقُّظِ، وَاسْتَجْلِبْ شِدَّةَ التَّيَقُّظِ بِصِدْقِ الْخَوْفِ” . الإمام عليه السلام يُركّز في هذه الوصايا على نقطة جوهريّة وهي: أنّك إذا استثمرت ما هو بحوزتك في الوقت الحاضر فستحصل على النتيجة المطلوبة, فإنّ خفتَ من أن يُصيبك شرّ فاستخدم ما في جعبتك من علم, أي حاول أن تحسن العمل بما تعلم. فعمل الإنسان عن رياء وعُجب وتظاهر وما إلى ذلك ليس هو عملاً بما يعلم، بل هو عمل مخالف للعلم, ذلك أنّ العلم يقول له: لا بدّ أن يكون عملك خالصاً. ومن أجل أن تكون قادراً على الإخلاص في عملك فاسْعَ أن تكون يقظاً تمام اليقظة في جوف الليل، وأن تتجنّب الغفلة لأنّ الغفلة تقود إلى الرياء في العمل. وبغية الحفاظ على حالة اليقظة فإنّ عليك أن تجتهد في أن يكون خوفك خوفاً صادقاً. وقد خاطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام طلبة العلم محذِّراً لهم: “يا حملة العلم أتحملونه فإنما العلم لمن علم ثم عمل ووافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تُخالف سريرتهم علانيتهم، ويُخالف عملهم علمهم يقعدون حلقاً، فيُباهي بعضهم بعضاً حتى إنّ الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله سبحانه” . لأنّ المهام الملقاة على عاتق طلبة العلم مهام عظيمة ويناط بهم مسؤوليات جليلة كان هذا التحذير من أمير المؤمنين عليه السلام، ولأن طلب العلم جمع الله فيه بين الفضلين: فضله على النفس وفضله للغير، ولذلك فإنّ طلب العلم أفضل من صنائع المعروف لأنّه أشرفها وأعظمها وأعلاها، وأجزلها ثواباً عند الله تعالى, فأعظم المعروف أن تأخذ بحجز القلوب عن النار، وأعظم المعروف أن تُقرِّب العباد إلى رحمة الله، فأبشر بخير ما أنت فيه من طلب العلم، ففيه خير كثير إذا اقترن بالعمل. قال باب مدينة العلم وكهف الحلم عليه السلام: “اطلبوا العلم تُعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله” . وقال الإمام الصادق عليه السلام: “من عمل بما علم كفي ما لم يعلم” . نحن غالباً ما نسعى إلى اكتشاف السبيل التي تؤمّن لنا سعادتنا وكمالنا، ونظنّ أنّ اكتشاف سبيل كهذه هو بمثابة وصفة سحريّة وسرّ خفيّ علينا التجوال في أقطار العالم وأكنافه كي نعثر على خبير يعرف كيف يُحرّر لنا هذه الوصفة الفريدة. لكنّ تفكيرنا بهذه الطريقة يدفعنا إلى التقاعس عن التوجّه نحو قمّة الكمال والقناعة بما أصبناه وما هو متوفّر بأيدينا. فهمّة المرء تقضي في بداية الطريق أن ينال المقامات العالية، لكنّه عندما يشاهد أنّ الأمر ليس بالسهولة التي يتصوّر فإنّه يتراجع شيئاً فشيئاً حتّى يصرف نظره عن الأمر كلّياً. ومن أجل إلغاء هذا النمط من التفكير سعت الروايات إلى التأكيد على عدم تكثيف المساعي في كثرة طلب العلم, بل أن يُركِّز الإنسان سعيه في العمل بالمقدار الذي لديه من علم. يقول النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم في هذا المجال: “مَن عمل بما يعلم وَرّثه الله علمَ ما لم يعلم” ، إذن فالمهمّ هو أن يستفيد المرء ممّا بحوزته من العلم قبل أن يذهب إلى طلب غيره. بالطبع إنّ المراد من العلم هنا هو العلوم التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأعمال العباديّة وطاعة الله عزّ و جلّ. فنحن نُحبّ أن نعلم كلّ شيء, نودّ أن نعلم كيف وصل الأئمّة عليهم السلام وأولياء الله المقرّبون إلى ما وصلوا اليه من مقامات عالية؟ وما سلسلة المقامات والسبيل الموصلة إليه؟ فهذا هو حبّ الاستطلاع الذي غرسه الله تعالى في قلوب البشر وهو عامل مهمّ في دفع الإنسان إلى طلب العلم. لكنّ الأفضل من ذلك هو أن يعمل المرء بما تعلّمه. فشكر العلم يكون في العمل به. أ لسنا نرغب في أن نقوم بما يجعلنا نشكر الله شكراً عظيماً كي يزيدنا من نعمه؟ فهذه الالتفاتة تُمثّل بحدّ ذاتها علماً من العلوم وإنّ شكرها يكون في العمل بموجبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى