المحبوبون عند الله تعالى


من أجل أن يتولّد في أنفسنا دافع إلى الشكر، فنشكر الله شكراً يوصلنا إلى كمال الإنسانيّة ويجعلنا من المحبوبين عند الله جلّ وعلا، فإنّ علينا القيام بأمرين: أولا- الوقوف على نعم الله: علينا أن نحاول جهدنا الوقوف على أنعم الله ونعرفها حقّ معرفتها ونستعظمها. فلا نكوننّ ممّن لا تملأ عيونهم سوى القصور الفارهة وما يُعدّ للطواغيت وفراعنة العصر من شتّى صنوف الطعام والشراب، ولا نرى للطعام الذي نتناوله نحن مقداراً يستحقّ عليه الشكر. فإن أحببنا أن يتولّد في أنفسنا حافزٌ إلى شكر المولى المتعال فيتعيّن أن نُطيل التفكير حتّى في نعم الله الطفيفة علينا والوقوف على أهمّيتها بالنسبة لنا. على أنّ ما ذكرناه لا يتعدّى نطاق النعم الطبيعيّة التي يتنعّم بها المؤمن والكافر على حدّ سواء، فما بالكم بنعمة العقل، ونعمة هداية الأنبياء، ونعمة معرفة الإسلام، ونعمة ولاية أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام؟ فما كنّا لنصنع لو لم توجد هذه النعم؟ إذن هل من اللائق، مع وجود كلّ هذه الآلاء والنعم، أن نشتكي ونُعاتب الله على بعض النقائص؟! إنّ عملاً كهذا يُسقط الإنسان من أريكة القيم الإنسانيّة. بالطبع إنّ الله عزّ و جلّ يصفح عن الكثير من هذه الأنماط من الكفران وعدم الشكر، لعلمه بضعفنا، أمّا فيما يتعلّق بأولياء الله فإنّهم يُحاسَبون حتّى على صغائر الزلاّت والعثرات ويشاهدون تبعاتها على الفور. ثانيا- استقلال العبادة دائماً: من ناحية أخرى ومن أجل إيجاد هذا الدافع، علينا أن نرى عباداتنا غاية في الضآلة وقلّة المقدار. بالطبع هذا الأمر أيضاً يحتاج إلى خطّة خاصّة, فكيف لي وقد صُمت لثلاثين يوماً أن اعدّ عملي هذا عديم القيمة؟! وعلى فرض أنّنا نؤدّي صلاة الليل طوال العام، فكيف يتسنّى لنا أن نعدّ هذه العبادة قليلة؟ الاستقلال والاستكثار هنا أمر نسبيّ, بمعنى أنّ المقدار المطلق للشيء ثابت في كلّ حال، لكنّنا عندما نُقارنه بغيره نقول: إنّه قليل أو كثير. فإنّك إذا أردت شراء سلعة قيمتها ألف دينار فدفعت للبائع ثمانيمئة دينار فقط، سيقول لك على الفور: هذا قليل, ومعناه: إن ما دفعته ثمناً لهذه السلعة هو قليل بالقياس إلى القيمة الحقيقيّة لها، لا أنّ الثمانيمئة دينار قليلة بذاتها. فإن علمنا كم أنّ الله سبحانه وتعالى متفضّل علينا، فإنّنا سنعدّ عباداتنا قليلة حتّى وإن قضينا العمر بأكمله في عبادته. عندما عوتب الإمام زين العابدين عليه السلام على كثرة عبادته وبكائه بين يدي الله مع أنّ الله قد جعله في عداد المعصومين، قال عليه السلام: “من يقدر على عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام” , فقد استقلّ عبادته عندما قاسها بعبادة جدّه عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فمن أجل أن نستقلّ عباداتنا فما علينا إلاّ أن نقيسها بطاعة عباد الله الصالحين المخلَصين من حيث الكمّ والكيف وعندها سنخجل من أنفسنا. فلو أراد المرء أن يُقدّم فاكهة لأحدهم كهديّة فهل يقدّمها بكلّ راحة بال ومن دون أدنى خجل إذا كان ما يقرب من تسعين بالمئة من هذه الفاكهة فاسداً ومتعفّناً؟ فإذا كنّا لا نلتفت إلاّ إلى عشرة بالمئة من صلواتنا فهي كالهديّة التي فسد تسعون بالمئة منها، ألا ينبغي لنا والحال هذه أن نُقدّمها بين بدي الباري عزّ و جلّ بمنتهى الخجل والحياء؟! إذن فمن أجل إيجاد الدافع إلى الشكر أوّلاً، وبغية التمكّن من تأدية شكر الله تعالى ثانياً علينا من جانب أن نُطيل التفكير والتأمّل بأهمّية وكثرة ما يغدق علينا تعالى من رزق ونعم جمّة، ولا بدّ من جانب آخر أن نَعدّ ما نأتي به من العبادات قليلاً وناقصاً.



