اراء

الإعلام العراقي .. أزمة مالية أم ضياع للهوية ؟!

 

محمود الهاشمي

الانفجار الكبير في الاعلام العراقي بعد عام 2003 ، لم يكن متوقعا فهذا البلد الذي شهد خنقا اعلاميا على مدى زمنه المعاصر،كيف له ان يشهد في ليلة وضحاها صدور  200 صحيفة محلية ونصف هذا العدد من الاذاعات فيما تجاوزت القنوات الفضائية لأكثر من ستين فضائية !! كنت اتساءل يومها ، عن الكيفية في ادارة هذه الوسائل الاعلامية وليس لدينا من الكوادر الفنية والإدارية وأرباب التحرير بما يكفي ، لكن ما يسجل لصالح هذه السعة من عدد وسائل الاعلام انها تدار جميعا من قبل كوادر عراقية ، وهذا يعني ان العراق يخبئ دائما بين جنحيه جنودا من المبدعين يدخلون ميادين العمل حيث تتوفر الفرصة ،كما ان ما يلفت النظر ان كوادر عراقية اخرى باتت تشغل مواقع مهمة في ادارة وسائل اعلام كبرى خارج البلد !!.ويكفي ان اضرب مثلا واحدا على ذلك انني كنت أجالس احد مديري الاعلام في وزارة مهمة فاتصل به شخص ما وبعد حوار معه القى الجهاز جانبا وقال لي:- هذا مدير قناة فضائية خارج البلد اخبرني ان لديهم ملف فساد مهما وخطيرا بشأن وزارتنا وطالب بمبلغ مالي كبير وخلال اسبوع وإلا سيعلنون عنه . لم يستطع الخطاب الاعلامي ان يطور التجربة السياسية في العراق ، وان يكون البوصلة التي توجه النشاطات السياسية واهدافها ، وعاملا فاعلا في صناعة الرأي والقرار السياسي أو العام ، وظل منفعلا مع الاحداث يعرض الدماء التي تسيح على اسفلت الشوارع نتيجة الاعمال الارهابية وكأنه يعرض لوحة لرسام كبير .. يركز على الدم والدمار والخراب والبكاء والعويل وردود الفعل السريعة حتى بات المشاهد يعتقد ان هذه المشاهد عنوانا لحياته ومستقبلة دون ادنى تفكير ان الارهاب سينتهي يوما وان الوطن باق . انعكست الخلافات السياسية في البلد على كل مناحي حياتنا ، يتداولها الناس في الشوارع والاسواق وسيارات الاجرة وفي داخل الدوائر ، فيما رأى الاعلام في هذه الخلافات لهوات جيدة لرحاه ليل نهار ،يستدعي هذا السياسي وذاك لغرض الاثارة ومتعة التنابز والتشاتم احيانا ،دون التفكير في خلق اجواء من التفاهم . وبذا اضعنا الموازنة بين القيم والمصالح وبات انتاجنا الاعلامي يتفاعل مع الازمة دون التدخل لادارتها، وبات يحسن الاثارة والتوتر بين القوى السياسية ،وهو بهذا يتحمل وزر الكثير من فشل المرحلة السياسية ،لا لانه اراد ذلك لكن الراعين له افقدوا الاعلام بوصلته وارادوا له ان يكون مشابها لفوضاهم. المأزق الحقيقي الذي يعيشه الاعلام العراقي في الوقت الحاضر بات يخسر الكثير من متابعيه الذين انزاحوا الى وسائل الاعلام العربية والعالمية لمتابعة ما يجري في بلدهم وتلك طامة كبرى حيث ان هذه الوسائل لها توجهاتها واجنداتها الخاصة التي غالبا ما تصب في صالح الجهات الراعية لها . بشكل عام فان الاعلام العراقي بحاجة الى اعادة نظر بالكمال والتمام وان تعددها وكثرتها لا يخرج عن كونها نسخا واحدة ، وأول ما نبدأ به وسائل الاعلام الحكومية التابعة لشبكة الاعلام والتي تملك مالا كثيرا وكوادر تصل الى ستة الاف منتسب دون اصحاب العقود لكنها ظلت فقيرة يتناوب على ادارتها شخصيات اعلامية غرقت بالفساد ونست الوطن ، ومازالت كما بدأت صدى للخطاب السياسي العراقي الفاشل وان الاموال التي تنفق عليها -وهي من جلد الشعب-تذهب سدى!! قد يسأل البعض عن امكانية الاعلام في صناعة عملية سياسية ناجحة اقول باختصار ان سياسيي الولايات المتحدة ودول الغرب ومعهم دول اخرى متقدمة يطالعون صحفهم اليومية قبل ان يذهبوا الى عملهم لانهم يرون فيها مستقبل بلدهم وتطلعاته ويأخذون بكل ما فيها موضع الجد والتقدير . بل ويخشون نقدها ويعملون به ..وهنا نقول :- كم سياسيا عراقيا يطالع الصحف العراقية يوميا ؟ يبدو ان سياسيينا اداروا ظهرهم للاعلام وبات ما يطرح لصالح العملية السياسية أو ضدها لا يعنيهم قط، فقد جعلوا اصابعهم في اذانهم واستغشوا ثيابهم واستكبروا استكبارا!! ان المال السياسي ومصادر التمويل مازال هو الماسك بعنق المشروع الاعلامي العراقي وجعله قاصرا في اداء رسالته ومشاركته في صناعة عملية سياسية ناجحة ، بل عمل على ابعاد النخب المثقفة في هذه المشاركة ، مثلما ابعد الاكاديميين والمفكرين وبدا المشهد الاعلامي مجرد صورة مشوهة للمواطن العراقي وتاريخه . بشكل عام ان المرحلة لما بعد سقوط النظام ايضا افرزت لنا شخصيات اعلامية ومهنية سواء على مستوى العمل الفني أو التحريري أو الادارة ، وهؤلاء ليسوا بالقليل سواء من هم مازالوا يمارسون المهنة برغم صعوبتها وتحدياتها أو ممن هجروها للاسباب الانفة ، فيما مازال هناك اخرون يعملون في مؤسسات خارج العمل يرون فيها انها تعمل ضد بلدهم لكنها مصدر لرزقهم لا غير وينتظرون يوما يعتقون فيه ،ويمكن لاية جهة وطنية ان تجمع هذه الكوادر في مؤسسة واحدة أو اثنتين وثلاثة واعداد ستراتيجية اعلامية تتنوع في الاداء وتلتقي في الاهداف الوطنية ، ومازلنا قادرين على ذلك بدلا من هدر هذه الاموال الطائلة دون نفع يذكر وفي عدد ليس بالقليل ، حيث ما الجدوى في عدد كبير من الفضائيات مثلا وبعضها لا يملك ان يقدم شروط الضيافة البسيطة لضيفه ؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى