انحسار التجارة منعطف آخر صوب الركود الاقتصادي
د. حيدر حسين آل طعمه
شهد العالم خلال العقود الثلاثة الماضية تطورا اقتصاديا هائلا بفعل الانفتاح الاقتصادي وحرية حركة رأس المال وارتفاع التنافسية الدولية، مما انعكس في صعود العديد من الاقتصادات وتحقيقها معدلات نمو بخانتين فضلاً على تحسن المستوى المعيشي لمواطنيها. إلا ان الأزمة المالية العالمية قوضت العديد من أسس النمو والاستقرار الاقتصادي العالمي ولا يزال التباطؤ الاقتصادي يؤطر اداء معظم الاقتصادات المتقدمة والصاعدة على حد سواء. مؤخراً، تزايد قلق خبراء الاقتصاد والمؤسسات الاقتصادية الدولية من انزلاق الاقتصاد العالمي الى ركود اقتصادي عميق بسبب حرب السياسات الحمائية (تقييد حرية التجارة) التي قد تنطلق بين الدول القائدة لقاطرة النمو الاقتصادي (امريكا واوروبا واسيا تحديداً) مع تسنم الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب سدة الحكم وتنفيذ وعوده الانتخابية الداعية الى تشديد سياسات الحماية التجارية بغية تنشيط الاقتصاد الامريكي وتحويله الى مسار الانتاج من جديد بعدما تحول الى مجتمع استهلاكي غارق بالبضائع الاجنبية. ان التشابك الاقتصادي الذي خلفته العولمة الاقتصادية بين جميع دول العالم يزيد من مخاطر السياسات الاقتصادية الامريكية، خصوصاً مع نجاح الولايات المتحدة ومنذ سبعينيات القرن الماضي في تحويل الدولار الامريكي من عملة محلية الى عملة دولية جذابة مُكونة لمعظم الاحتياطات الدولية الاجنبية. وبذلك ربطت الولايات المتحدة مصيرها الاقتصادي بمصير الاقتصاد العالمي لأجل نقل زخم الازمات المالية والاقتصادية الامريكية بيسر وسلاسة وتوزيع آثارها على بلدان العالم كافة. وقد افصحت أزمة العام 2008 عن ذلك بوضوح، فرغم تولد وانفجار الأزمة في المؤسسات المالية الامريكية إلا انها تسللت بشكل سلس وسريع الى النظام المالي العالمي وطالت معظم بلدان العالم بآثارها الاقتصادية والمالية. والمذهل في الأمر التعافي المبكر للاقتصاد الامريكي مقارنة بالاقتصادات الاوروبية وعدد كبير من الاقتصادات الصاعدة واليابان، التي مازالت تعيش تبعات ومضاعفات ازمة الائتمان عام 2008. ان اتباع سياسات حمائية لتقليص اكتساح السوق الامريكية من لدن الاقتصادات الاسيوية وغيرها من الدول الكبرى قد يقود الى سياسات مماثلة من هذه البلدان مما يهدد بإشعال حرب سعرية قد تزيد من تعثر الاقتصاد العالمي ودفعه باتجاه الجزء الحاد من الازمة. والمقلق في الامر حتمية انتقال صدمة التجارة الى النظام المالي العالمي عبر اسعار الصرف، فمن المعروف بان السياسة المعتادة في تنشيط الصادرات ورفع معدلات النمو في عدد كبير من بلدان العالم هي خفض قيمة صرف العملة المحلية، واذا ما عوملت هذه السياسات بالمثل سنشهد تقلبات خطيرة في اسعار صرف العملات العالمية قد تقود بالضرورة الى اضطراب مالي عالمي ناجم عن التدفق السريع لرؤوس الاموال الاجنبية عبر الحدود وانتقالها صوب الملاذات الآمنة كالذهب والمعادن الاخرى بدلاً من الاستثمار في اصول مالية معرضة للهبوط والانهيار. وفي سياق ذلك، خفضت منظمة التجارة العالمية مؤخراً توقعات نمو التجارة العالمية لعام 2016 بما يزيد عن الثلث بسبب تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع مستوى الاستيرادات في الولايات المتحدة الامريكية. حيث توقعت المنظمة وصول معدلات نمو التجارة العالمية لقرابة 1.7% بدلاً من تقديرها السابق في نيسان والبالغ 2.8% وذكر تقرير التوقعات الاقتصادية (نصف السنوي) للمنظمة إن توقعات نمو التجارة العالمية تتخلف لأول مرة منذ 15 عاما عن وتيرة نمو الاقتصاد العالمي. واشار روبرتو ازيفيدو (المدير العام لمنظمة التجارة العالمية) في التقرير المذكور إن هذه الأرقام يجب أن تكون جرس إنذار للحكومات، وينبغي ألا يترجم ذلك في هيئة سياسات خاطئة تفاقم الأوضاع الاقتصادية ليس من منظور التجارة فحسب بل أيضا بالنسبة لتوفير الوظائف والنمو والاستقرار الاقتصادي، وهي عوامل ترتبط ارتباطاً وثيقا بنظام التجارة الحرة. وتوقعت المنظمة تباطؤا أكبر لنمو التجارة العالمية في عام 2017 مقارنة بتوقعاتها السابقة، وقدرت أن حجم التجارة سينمو بمقدار 1.8% مقارنة مع توقعات نمو 3.6 % في نيسان2016.
لا تنحصر المخاطر الاقتصادية والمالية المحدقة بالعراق في اعتماده على مورد وحيد في تمويل الموازنة الحكومية والاقتصاد الوطني، وانما تتعدى ذلك في ارتباط هذا المورد بعوامل خارجية مرتبطة بالتجارة والنمو الاقتصادي العالمي والنجاح في ايجاد بدائل طاقة مستدامة. والمقلق في الامر غياب القطاع الخاص واعتماد معظم القطاعات الاقتصادية في البلد على الانفاق الحكومي (المُمول اساساً بالمورد النفطي) كمحرك للنمو والاستقرار الاقتصادي. ولأجل ذلك ينبغي استباق الازمة بحزمة من الاجراءات التي بات اللجوء اليها امراً لا بد منه:
اولا – ترشيد الانفاق الحكومي عبر تقليص مؤسسات الدولة وتشديد الرقابة على كافة اوجه الصرف العام والحد من الترهل الحكومي.
ثانيا- ايجاد منافذ بديلة لتمويل النفقات عبر تفعيل النظام الضريبي والحد من ظاهرة الركوب المجاني وخصخصة مؤسسات الدولة الخاسرة من شركات ومصانع ارهقت الموازنة لعقود.
ثالثا- تفعيل دور القانون في الحد من الفساد والهدر الاقتصادي عبر تغليظ القوانين السارية والاستعانة بمؤسسات رقابية دولية بعيدة عن سطوة الاحزاب والكتل السياسية.
رابعا- احياء دور القطاع الخاص في قيادة قاطرة النمو عبر ايجاد مناخ اعمال ملائم يبدأ من الحماية الجمركية وتوفير البنية التحتية والتشريعات القانونية اللازمة فضلاً على اتاحة التمويل اللازم لانطلاقه.
خامسا- ايقاف النزف المستمر لاحتياطات البلد من العملة الاجنبية عبر ثقب المزاد اليومي للبنك المركزي خشية انحسار هذا الاحتياطي وادخال البلد في ازمة اسعار مازالت عالقة في اذهان الاجيال التي عاشت العقد الاخير من القرن العشرين.
سادسا- تفعيل القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية في البلد عبر اشراك الاستثمار الاجنبي في ادارة هذه القطاعات نظراً لفرص النجاح المتاحة لهذه القطاعات في ظل وفرة المدخلات المادية والبشرية وتوافر طلب محلي عال قادر على امتصاص معظم مخرجات هذه القطاعات وتحويل الفائض للتصدير.



