اراء

هل ينجح نتنياهو باستدراج ترامب إلى الحرب مرة أخرى؟

بقلم: حسن نافعة..

أسفرت الانتخابات التي أُجرِيَت في “إسرائيل” مؤخراً عن حصول الائتلاف الذي يقوده نتنياهو على 53 مقعداً، والائتلاف الذي يقوده آيزنكوت على 48 مقعداً، وحصول القوائم العربية على 19 مقعداً، وهي نتائج تعكس عمق الأزمة التي يمر بها الكيان الصهيوني في المرحلة الراهنة؛ إذ لن يكون بمقدور أيٍّ من الائتلافين المتنافسين في هذه الانتخابات تشكيل حكومة أغلبية. لذا ليس أمامهما سوى تشكيل حكومة أقلية تضم نواباً عرباً، أو على الأقل، تعتمد على شبكة أمان تستند إلى القوائم العربية. ولأن قطع الطريق على نتنياهو هدفٌ يشترك فيه الائتلاف الذي يقوده آيزنكوت مع القوائم العربية، فإن تحقيقه يفرض على آيزنكوت ضرورة التحلي بما يكفي من الشجاعة لفتح حوار مع النواب العرب لبحث أنسب الصيغ الكفيلة بتحقيق هذا الهدف المشترك، الذي يستحق التضحية من الجانبين.

تتوقف قدرة نتنياهو على الإمساك بدفة الحكم في “إسرائيل” مرة أخرى على نجاحه في كسر الائتلاف الذي يقوده آيزنكوت، وهو ما يمكن أن يتحقق إذا تمكن من إغراء بعض الأطراف المشاركة فيه للانضمام إلى حكومة برئاسته، أو في إقناع آيزنكوت نفسه بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية يتناوبان على قيادتها، شريطة أن يتولى هو رئاستها أولاً. وحين يكتشف نتنياهو صعوبة تحقيق البديل الأول فلن يتردد في اللجوء إلى البديل الثاني، حتى لو اضطر إلى الاستعانة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يتردد أبداً في مد يد المساعدة إليه في كل مرة احتاجه فيها. فقد سبق للأخير مطالبة رئيس “الدولة” الإسرائيلي علناً بإصدار عفو عام عن نتنياهو، المهدد بدخول السجن في حال ثبوت إدانته في تهم الفساد الكثيرة الموجهة إليه، بل وذهب إلى حد التعبير علناً عن انحيازه لنتنياهو في الانتخابات الأخيرة إلى الحد الذي دفعه إلى دعوة الناخبين الإسرائيليين إلى التصويت لصالح الائتلاف الذي يقوده، مؤكداً أنه يفضّل التعامل معه كرئيس للحكومة الإسرائيلية في المرحلة الراهنة، ما يعكس ليس عمق الصداقة الشخصية التي تربطهما فحسب، وإنما أيضاً حجم التطابق بين أهدافهما السياسية وتوجهاتهما الأيديولوجية.

ففي فترة ولايته الأولى، اعترف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية، وقام بنقل السفارة الأميركية إلى القدس التي عدّها “عاصمة إسرائيل الموحدة والأبدية”، وانسحب من اتفاق البرنامج النووي الإيراني الذي كان أوباما قد أبرمه عام 2015، وأتبع ذلك بفرض عقوبات قصوى على إيران، ثم طرح “صفقة القرن” التي استهدفت تصفية القضية الفلسطينية نهائياً، وختم فترة ولايته الأولى بالضغط على عدد من الدول العربية لإبرام “الاتفاقات الإبراهيمية” مع الكيان.

ففي حزيران من العام الماضي، تمكّن نتنياهو من إقناع ترامب بالدخول معه في حرب محدودة استهدفت تدمير منشآت إيران النووية، وفي نهاية شباط من العام الحالي تمكّن من إقناعه بالدخول معه في حرب شاملة استهدفت النظام الإيراني، ولا شك أنهما كانا يتمنيان أن يحققا أهدافهما المشتركة قبل الاستحقاقات الانتخابية في بلديهما، لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهي سفنهما. صحيح أن المنشآت النووية الإيرانية تضررت في الحرب الأولى، لكن إيران تمكنت من إنقاذ كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بالإضافة إلى عدد غير معروف من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وصحيح أيضاً أن الحرب الثانية تسببت بأضرار المنشآت العسكرية الإيرانية، لكن النظام الإيراني لم يسقط، وتمكن من توجيه ضربات موجعة لـ”إسرائيل” وللقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، والأهم أنه تمكن من الإمساك بأوراق إضافية مهمة لم تكن في يده من قبل، أهمها إغلاق مضيق هرمز وتمكنه من مواصلة السيطرة عليه منذ توقف القتال وحتى الآن، وبالتالي ما زال قادراً على المواجهة والتحدي وخوض القتال من جديد إذا ما فُرِضَت عليه الحرب مرة أخرى. والواقع أن اندلاع الحرب مرة أخرى سيتوقف على عوامل كثيرة، ربما كان أهمها طبيعة وطريقة تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة من ناحية، ومدى استعداد الرئيس ترامب من ناحية أخرى للتوصل إلى حل وسط وتخليه عما يدَّعِي استسلام إيران التام، الذي يبدو أنه ما زال يصر عليه حتى الآن. ولأن حسابات نتنياهو تختلف عن حسابات ترامب في المرحلة القادمة، فليس من الواضح بعدُ ما إذا كان بمقدور الأول أن يجر الثاني معه إلى الحرب مرة أخرى، مثلما استطاع دائماً، أم أنه سيصر عليها في جميع الأحوال، حتى لو اضطر للذهاب إليها منفرداً، رغم ما قد ينطوي عليه هذا الخيار من مخاطر بالنسبة إلى مستقبل ومصير الكيان الصهيوني نفسه.

يؤمن نتنياهو إيماناً راسخاً بأن إيران تشكل تهديداً وجودياً لـ”إسرائيل”، ومن ثم فلا حل للصراع المحتدم معها.

يستند ترامب على مصاحبة نتنياهو حتى نهاية الشوط، شريطة أن تتحقق أهدافهما المشتركة، والتي لا خلاف عليها، بسرعة ومن دون خسائر بشرية كبيرة، وألا تتحول بالتالي إلى حرب استنزاف طويلة لا يمكن حسمها إلا بعملية إنزال بري واسعة النطاق، وهو ما يرفضه بالمطلق. غير أن الغموض ما زال يكتنف نواياه الحقيقية؛ فهو يدّعي أن هدفه الرئيس منع إيران من تصنيع أو امتلاك سلاح نووي في أي وقت وأن المؤشرات كافة تدل على أن إيران باتت مستعدة لتقديم الضمانات المطلوبة للتأكد من أنها لن تسعى مطلقاً لتصنيع أو امتلاك السلاح النووي لا الآن ولا في المستقبل القريب أو البعيد، في مقابل رفع الحصار البحري والإفراج عن أموالها المجمّدة أو المصادرة وإنهاء العقوبات المفروضة عليها.

تدرك الدول العربية والإسلامية في المنطقة أن الحرب على إيران ستكون مختلفة هذه المرة عن سابقاتها. فالأطراف الراغبة في إشعالها تريد الحسم هذه المرة، ومن ثم يُتَوَقَّعُ أن تستهدف البنية التحتية، بما فيها الجسور ووسائل النقل ومنشآت الطاقة وتحلية المياه، ما سيدفع إيران للرد ليس بالمثل فحسب، ولكن أيضاً “من دون مراعاة أي قيود أو حواجز جغرافية”، ما يعني أن الدول العربية والإسلامية ستكون هي الخاسر الأكبر في هذه الجولة، وهو ما يفسر لماذا تستميت في جهود الوساطة التي تستهدف منع الحرب. لكن، منذ متى يهتم ترامب أكثر زعماء العالم إيماناً بالصهيونية، بمصير أو بمستقبل العرب والمسلمين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى