اخر الأخباراوراق المراقب

الكلمة الطيبة وبناء الإنسان.. من جذور الشخصية إلى مسارات الحياة

مرتضى معاش..

تملك الكلمة قدرة عميقة على تشكيل وجود الإنسان؛ فهي تنفذ إلى أعماقه، وتسهم في بناء شخصيته وصورته عن نفسه، وتمتد آثارها إلى تفكيره ومشاعره وسلوكه واختياراته. وما يسمعه في طفولته قد يستقر في وجدانه ويصبح صوته الداخلي حين يكبر، يستمدّ منه الثقة والطمأنينة والقوة على مواجهة الحياة، أو يبقى أسيرًا لما يثيره فيه من قلق وإحباط وشعور بالعجز. ومن هنا تنبع مسؤولية الكلمة، إذ تتجاوز لحظة النطق بها إلى ما تغرسه في القلوب، وما تتركه في تكوين الإنسان وتربيته وعلاقاته ومستقبله.

وقد عبّر النبي محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” عن قيمة هذا الأثر بقوله: «الكلمة الطيبة صدقة»، فجعل القول الطيب عملًا من أعمال الخير، يبذله الإنسان فيمنح به غيره طمأنينةً وقوةً وأملًا. فالكلمة تحمل مسؤولية المعنى الذي تؤديه والأثر الذي تُحدثه؛ قد تعيد إلى إنسان ثقته بنفسه، وتفتح أمامه طريقًا للنهوض، وقد تجرحه جرحًا يستقر في أعماقه ويصعب شفاؤه. ويعبّر قول الإمام علي “عليه السلام”: « زلّة اللّسان أشدّ من جرح السّنان» عن حقيقة هذا الأذى، غير أن جرح اليد قد يلتئم، بينما يبقى جرح الكلمة حاضرًا في الذاكرة، يستعيد الإنسان ألمه كلما استعاد الموقف الذي قيلت فيه.

وتظهر قوة الكلمة في قدرتها على البناء والهدم؛ فقد تنهض بإنسان وتعينه على اكتشاف إمكاناته، وقد تحطّم ثقته وتضعف قدرته على التقدّم. وبكلماته يسهم الإنسان في تحديد المسار الإيجابي أو السلبي لحياته وعلاقاته؛ يستطيع أن يجعل طريقه مزهرًا بالمودة والقبول، ويكسب به رضا الآخرين، كما قد يحوّله إلى طريق مظلم متعثّر، تتراكم فيه المشكلات وتتناسل منه ردود الأفعال السلبية، فتزداد العلاقات اضطرابًا وتتعقّد سبل إصلاحها.

إن العناية بالكلمة عناية بالإنسان نفسه، بما يتكوّن في داخله وما يتحدّد أمامه من مسارات؛ لأنها تدخل في بناء ثقته، وصياغة وعيه بذاته، وتوجيه حركته في الحياة. وحين تبلغ كلمة واحدة من التأثير حدّ تغيير مسار حياة كاملة، تصبح مسؤولية القول جزءًا من مسؤولية بناء الإنسان وحماية وجوده ومستقبله.

الكلمة بُعد وجودي في تشكيل مسار الشخصية

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24]، ثم يقول: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: 25]. ويأتي في مقابلها قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 26]، ثم قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].

تُشبَّه الكلمة بالشجرة التي تمتد جذورها وتثمر؛ فالإنسان ينمو ويتفاعل مع الكلمة، ويتشكّل على ضوئها. ومن هنا تكون الكلمة بُعدًا جوهريًا في تشكيل الكائن الحي، وأحد أبعاد تشكيل الشخصية، بما تحمله إلى أعماقه من معانٍ يترسّخ أثرها في حياته.

كل إنسان صنيعة كلمة؛ فشخصيته وماضيه وحاضره ومستقبله ترتبط بكلمة في أعماقه وداخله حدّدت مسار حياته. وقد يسير الإنسان في طريق معين نتيجة كلمة ترسّخت في أعماق قلبه وروحه، سمعها وهو صغير أو طفل أو مراهق أو شاب، أو حتى في مرحلة متقدمة من عمره. تصبح هذه الكلمة برنامجًا لحياته، سواء كانت طيبة وخيّرة أم خبيثة وشريرة، لذلك فإن للكلمة هذه الأهمية الكبيرة في حياتنا.

ويصف القرآن الكريم السيد المسيح “عليه السلام” بأنه «كلمة من الله»، أي إنّه جاء بكلمة من الله سبحانه وتعالى، وبكلماته جلّ وعلا تحدّد مسار الأنبياء، ومنهم السيد المسيح “عليه السلام”. ومن التأمل في هذه الدلالة تتجلّى أهمية الكلمة وأثرها في توجيه المسار. وعلى مستوى حياة الإنسان وتربيته، تسهم الكلمات التي يسمعها في تشكيل شخصيته وطريقته في التعاطي مع الحياة والعالم المحيط به؛ فقد يصبح إيجابيًا وخلوقًا وخيّرًا بتأثير كلمة سمعها في طفولته أو شبابه، فغيّرت نظرته إلى نفسه ووجّهت مسار حياته.

وفي المقابل، قد تجرحه كلمة يسمعها في طفولته المبكرة أو فتوّته، فتترسّخ في أعماقه ويصبح رهينًا لأثرها، وتنعكس تداعياتها على مشاعره وسلوكه وعلاقاته. وهكذا يمتدّ ما يسمعه الإنسان إلى داخله، ويستقرّ أثره في شخصيته، ليصاحبه في نظرته إلى ذاته وتعامله مع ما يحيط به.

تحتلّ الكلمات موقعًا أساسيًا في حياتنا، غير أننا لا نستشعر أهميتها دائمًا، ولا نعتني باختيارها بالقدر الذي يتناسب مع عمق آثارها في الإنسان. وقد قدّم القرآن الكريم مثلًا تربويًا عظيمًا يكشف هذه الآثار، حين شبّه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، الثابتة الجذور في الأرض. ويعبّر هذا الثبات عن رسوخ الكلمة المستمدّة من هداية الله سبحانه وتعالى؛ فكل ما يرتبط به جلّ وعلا يسهم في بناء وجود الإنسان وتشكيل شخصيته، ويمنحه أسباب الثبات والاستقامة.

أما الكلمة الخبيثة فتزرع الخبث في حياة الإنسان، وتفتح أمامه مسارًا خبيثًا، وقد شبّهها القرآن الكريم بالشجرة الخبيثة التي «ما لها من قرار»، أي لا ثبات لها. وينعكس هذا الاضطراب على من تترسّخ فيه آثارها؛ فتُضعف بناءه الداخلي، وتجعله هشًّا وفقيرًا في إحساسه بذاته، حتى يشعر أنه لا قيمة له. فالكلمة الجارحة والسيئة تصيب قلب الإنسان، وقد يبلغ أثرها حدّ تدمير ثقته بنفسه، فيغدو مضطربًا، ضعيف القدرة على الثبات والتماسك، أشبه بشجرة يابسة خبيثة، لا ثمر لها يُنتفع به، ويسهل اجتثاثها وقلعها.

ومع ترسّخ هذا الأثر، قد يصبح الإنسان عدميًا، بمعنى أنه يفقد الشعور بقيمة وجوده وجدواه في الحياة، وتستولي عليه السلبية، فلا يتفاعل مع ما حوله من أمور جيدة وطيبة وخيّرة. وهكذا تنتقل آثار الكلمة الخبيثة من جرح في النفس إلى اضطراب في الشخصية والسلوك، يدفعه إلى سلوك مسار سيئ في حياته.

الكلمة كائن حيوي

ومن هنا نستطيع القول: إن الكلمة تمثّل بُعدًا وجوديًا في حياة الإنسان؛ فإلى جانب بُعد الزمان وبُعد المكان، بما يشتمل عليه من طول وعرض وارتفاع، يبرز بُعد الكلمة بما يتركه من أثر في تشكيل شخصية الإنسان وصورته وحضوره في الحياة، حتى إن أثرها قد يظهر في ملامح وجهه؛ فقد يبدو منفتحًا وطيبًا بما تمنحه الكلمة الطيبة من طمأنينة وارتياح، وقد يبدو عابسًا وتعيسًا بما تتركه الكلمة السيئة في نفسه من ألم وضيق. وهكذا يمتدّ تأثير الكلمة من أعماق الإنسان إلى ملامحه الظاهرة، ويسهم في تشكيل صورته الوجودية وطريقته في الإقبال على الحياة.

ويتجلّى هذا المعنى في تشبيه القرآن الكريم الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ فهي كالكائن الحي في عطائها ونمائها، تمدّ الإنسان بأسباب الحياة، وتسقي روحه، وترعى نموّه، وتسهم في تربيته، وتغذّيه بالثقة. وكما تنمو الشجرة بالسقاية والرعاية حتى تطيب وتثمر ثمارًا طيبة ولذيذة وجميلة، ينمو الإنسان بالكلمة الطيبة، ويظهر أثرها في شخصيته وسلوكه وعطائه، فيكون له حضور وجودي جميل في الحياة. ومن ثمّ، فإن الكلمة الطيبة بُعد جوهري وأساسي في بناء وجود الإنسان، وإدراك هذه الحقيقة مسؤولية تعني الجميع؛ لما لكلماتهم من أثر في أنفسهم وفيمن حولهم.

وعن الإمام علي “عليه السلام”: «تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ» أي إنه يُعرف بكلماته، ويظهر من خلالها ما استقرّ في شخصيته.

ومن لسان الإنسان نتعرّف إلى شخصيته؛ فكلماته تعبّر عمّا استقرّ في داخله من أفكار ومشاعر، كما أن شخصيته تأثّرت في تكوينها بالكلمات التي سمعها. وإذا تتبّعنا أثر الكلمات الإيجابية في بناء الشخصية والتفكير والسلوك، تبيّن لنا أن سلوك الإنسان، بما يجسّده من أخلاق، ينبع من أفكاره، وأن هذه الأفكار تتأثر بدورها بما يسمعه من كلمات. وهكذا تتصل الكلمات بتكوين الإنسان من جهتين: بما يتلقّاه منها فيسهم في بناء شخصيته، وبما ينطق به منها فيكشف عن هذه الشخصية ويعبّر عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى