اخر الأخبار

كيف نردم آبار الكراهية بروائحها النتنة؟!

أزعم أني واحد من الذين قطعوا شوطا كبيرا؛ في تعلم فن الحوار؛ وعمودي هذا هو واحة حوار دائمة مع القراء، وهناك تغذية إسترجاعية متبادلة، مع كثير من القراء الدائمين، الذين باتوا مصادر محترمة للأفكار التي تطرح هنا .
نحن كبشر نخوض حوارات مستمرة، من بينها الحوار مع النفس، وهو حوار دائم لا ينقطع قط، كما أننا متواصلون بعضنا مع بعض؛ وبشكل مستمر ايضا، بأنماط لا تعد أو تحصى من الحوارات، التي لولاها لتحولنا الى ثيران وحشية، نتحاور بالقرون!
بالعودة الى تاريخنا العربي والإسلامي، توصل خبراء فن الحوار؛ الى نتيجة شبه مؤكدة؛ مؤداها أننا مع الأسف؛ قوم نكره الحوار، ولا نعرف سبله ولم نسعَ للتعرف عليها، بل لم نجهد أنفسنا لمقاربته، مع أن تراثنا المعرفي؛ زاخر بمقاطع لغوية خلابة، تقدم لنا نصائح لا تقدر بثمن، كلها تتحدث عن الحوار ووسائله وضروراته، ونتائجه ومزاياه، وتشجعنا على سلوكه، وبعضها تقدم لنا مغريات لا يمكن مقاومتها، من قبيل الأجر والثواب، أذا سلكنا سبيل :”أدع الى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”.
لكن مع كل هذا التراث الثر، فإن الحوار لم يتحول الى مفردة فاعلة؛ من مفردات ثقافتنا المعاشة، ولم يمارس إلا من عدد محدود، من رجال تاريخنا، والذين مارسوه كانت ممارستهم خائبة، أو مفعمة بالمكر والحيلة، وهاكم أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، الأول كان مفاوضا غبيا، والثاني كان أمكر من ثعلب.
بعدهذا الحوار؛ الذي سجله لنا تاريخنا بحروف الخيبة بسنوات عدة، لجأنا الى الحوار لحق دمائنا، فدخله الإمام الحسن بن علي عليه السلام راغبا، فيما دخله الثاني وهو عازم على نقضه، مهما كانت النتائج، ونقضه بعد بضع سويعات من إعلان بيانه..!
بقية القصة معروفة لكم الى يومنا هذا…
اليوم باتت المسائل المختلفون عليها أكثر تعقيدا، وابواب الحوار من أجل الحلول شبه موصدة، وبعض مشكلاتنا سترافقنا الى قبورنا، فيما جلّها سنورثه الى أبنائنا، وهم بدورهم سيورثونها الى الأحفاد مع أضافات جديدة اكثر تعقيدا، وكلما تعقدت الوقائع تنحّى الحوار ..
هذا هو الواقع، لكن مازال في الأفق؛ حل لا يقتضي أن نتحاور كي نتوصل اليه!
الحل؛ هو أن نقبل بعضنا بعضاً؛ على ما نحن عليه، ونعترف بحق بعضنا على بعض، بأن نتعايش على قاعدة إحترام الإختلاف، وعدّه حقا مقدسا، لا ينبغي معارضته أو إنكاره، بل ولا حتى نقده، فعلى الأقل سنتوقف عن تخوين بعضنا بعضاً؛ وعن تكفير بعضنا بعضاً، وعن تعميق آبار الكراهية بروائحها النتنة…!
كلام قبل السلام: عند ذاك؛ لن نحتاج الى مصالحة، أو “صحوات” و”مجالس إسناد”، ولا الى عفو عام ، أو تسويات تأريخية كانت أو مجتمعية أو وطنية!
سلام…

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى