أميركا وعبء الغطرسة.. هل ينتظر العرب سقوطها أم يصنعون استقلالهم؟

بقلم: إلهامي المليجي..
حين يقف رئيس الولايات المتحدة على منبر الأمم المتحدة، ويضع التفاوض والتهديد بالإبادة في جملة واحدة، فإنه يعلن تصوّرًا للعالم تمنح فيه القوة صاحبها حق تقرير مصائر الآخرين. لكن الإمبراطورية التي تتوهم أن العالم ملك يمينها، وتطالب الشعوب بالتسليم بحقها في إخضاعها، تجعل التحرر من سلطانها مصلحة مشتركة بين ضحاياها.
في خطابه أمام الجمعية العامة، في الثاني والعشرين من سبتمبر، لوّح دونالد ترامب بـ«إبادة الجمهورية الإسلامية» إذا تعذر التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. ومن المكان الذي يُفترض أن تُبحث فيه سبل تجنيب الشعوب ويلات الحروب، تحدث بمنطق من يملك منح الآخرين فرصة البقاء أو حرمانهم منها.
السؤال الذي تطرحه هذه الغطرسة يتعلق أيضًا بالثمن الذي قد تدفعه أميركا نفسها. فهل تستطيع مواصلة انتزاع الطاعة، من دون أن تدفع الدول، بما فيها دول تحتاج إليها، إلى البحث عن وسائل الإفلات من قبضتها؟ وهل تُنتج وفرة السلاح نفوذًا مستدامًا حين تقترن بإهدار الثقة واستباحة استقلال الآخرين؟
شرعية على مقاس القوة
جمع خطاب ترامب بين الإشادة بمجلس الأمن، حين تحدث عن قرارات تؤيد توجهاته، والهجوم على المحكمة الجنائية الدولية، وصولًا إلى مطالبة الدول الأعضاء بالانسحاب منها. ورفض إخضاع العسكريين الأميركيين للتحقيق أمامها، فيما وجّه انتقادات حادة إلى مسؤولي حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
تكشف هذه الانتقائية، في تقديري، جوهر العلاقة التي يريدها مع المؤسسات الدولية: شرعية تؤيد القرار الأميركي، من دون مساءلة تقيّد صاحبه. تصبح المؤسسة جديرة بالثناء بقدر اقترابها من إرادة واشنطن، وتستحق التشهير حين تتمسك باستقلالها. وبذلك يُعاد تعريف النظام الدولي بوصفه وسيلة لإلزام الآخرين، مع إبقاء الدولة الأقوى فوق الالتزام.
وقد نشأ هذا النظام محمّلًا باختلالات ميزان القوة، ومنح الدول الكبرى امتيازات استثنائية، يتقدمها حق النقض. لكنه أقر أيضًا المساواة في السيادة، وحظر التهديد بالقوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي. هذه المبادئ تمنح الدول الأضعف أساسًا للاحتجاج على تعسف الأقوياء، مهما تعطلت قدرتها على الإنفاذ.
ترامب لم يخترع الانتقائية الأميركية؛ إنه يجاهر بها ويدفعها إلى حدود أكثر فجاجة. والخطر في هذا المسار أن يتحول حق الأقوى في الاستثناء إلى قاعدة عامة. فماذا ستقول واشنطن لقوة أخرى تتذرع بمصالحها كي تفعل بجيرانها ما تعتبره أميركا حقًا لنفسها؟ إن تقويض القاعدة يضعف الحجة التي تحتاج إليها واشنطن حين تنقلب موازين القوة في غير مصلحتها.
من السيطرة إلى الاستنزاف
اختصر ترامب منطقه بعبارة قالها خلال حديثه عن النفط الفنزويلي: «للغالب الغنائم». هنا تتحول نتيجة المعركة، في تصوّر صاحبها، إلى سند ملكية؛ ويصبح التفوق العسكري أساسًا لاستحقاق اقتصادي. ومن فوق منبر يجمع دولًا مستقلة، تُستعاد لغة الفاتح الذي يوزع ما وقعت عليه يده.
وقد اكتسب هذا المنطق شكلًا عمليًا في فنزويلا. فبعد اعتقال القوات الأميركية نيكولاس مادورو، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية، في يناير الماضي، ترتيبات لبيع النفط الفنزويلي، تُودع عائداته أولًا في حسابات تسيطر عليها الولايات المتحدة، ويجري صرفها وفق تقدير الحكومة الأميركية، تحت عنوان منفعة الشعبين الأميركي والفنزويلي.
بذلك يمتد الإكراه من رأس السلطة إلى القرار المتعلق بالثروة. وتصبح قدرة البلد على التصرف في موارده رهينة بإرادة الطرف الذي فرض عليه موازين القوة. أما الحديث عن مصلحة شعبه، فيمنح الوصي الخارجي سلطة تعريف هذه المصلحة وتحديد كيفية تحقيقها؛ وكأن امتلاك القدرة على التدخل يكفي لاكتساب حق الوصاية.
والخلاف مع نظام حكم، مهما بلغت حدته، لا ينقل حقوق شعبه إلى دولة أجنبية. فحق الفنزويليين في اختيار حكامهم والتصرف في ثرواتهم يظل لهم، وكذلك حقوق الإيرانيين وسائر الشعوب. تحويل الاعتراض على السلطة إلى تفويض باستباحة البلد يهدر المبدأ الذي يُرفع التدخل باسمه، ويُخضع مصير الناس لحسابات قوة لا يملكون محاسبتها.
قد تحقق واشنطن من هذه السياسات مكاسب مباشرة، ولا يستقيم تحليل قوتها بتجاهلها. غير أن المكسب العاجل لا يكشف وحده حساب الربح والخسارة. فحين ترى دولة أن اعتمادها على شريك يمنحه القدرة على انتزاع قرارها، يصبح تقليص هذا الاعتماد مصلحة أمنية، حتى لو كان البديل أعلى كلفة أو أقل كفاءة.
وتنشأ من ذلك حوافز للبحث عن مورّد سلاح آخر، أو سوق بديلة، أو ترتيب مالي يخفف التعرض للضغط. تحتاج هذه المسارات إلى وقت وإمكانات، وقد تتعثر طويلًا، لكن الإفراط في الإكراه يمنحها دافعًا متجددًا. والمفارقة أن الدولة المهيمنة، بإساءة استخدام امتيازاتها، قد تجعل تقليص نفوذها هدفًا مشتركًا بين أطراف تختلف في معظم ما عداه.
وحين يحتاج الحفاظ على الطاعة إلى تهديد متكرر، ترتفع كلفة السيطرة. فالتنازل المنتزع بالقسر يترك سؤالًا مؤجلًا عن كيفية التخلص من شروطه، وقد تتطلب حمايته تدخلات جديدة. عندئذ تبدأ القوة في استهلاك مواردها لتثبيت نتائج صنعتها بالقوة، فيما تضيق مساحة التسويات القابلة للاستمرار. وتغدو القدرة على تدمير البدائل عبئًا حين لا ترافقها القدرة على بناء وضع مستقر.
الغطرسة ونذر الأفول
هل يعني ذلك أن سقوط الإمبراطورية الأميركية أصبح قريبًا؟ الغطرسة وحدها لا تجيب، والتاريخ لا يمنحنا جدولًا بمواعيد انهيار الدول. تستطيع قوة كبرى أن تحتفظ بتفوق عسكري واسع، بينما تتراجع قدرتها على قيادة الآخرين؛ كما تستطيع تعويض خسائر سياسية بمزايا اقتصادية وتقنية وشبكة تحالفات يصعب تفكيكها سريعًا.
المعيار الأجدى هو مقدار ما تحققه القوة من أهداف، والكلفة اللازمة لتحقيقها واستدامتها. تستطيع آلة الحرب تدمير منشأة في ساعات، بينما يحتاج تحويل التفوق العسكري إلى تسوية مقبولة إلى شروط سياسية لا تصنعها القنابل. ويغدو إعلان الانتصار أقل دلالة حين يتطلب تثبيته جولات إضافية من الحرب، أو التزامًا مفتوحًا بحماية ترتيبات تفتقر إلى القبول.
بهذا المعنى، يمكن قراءة خطاب ترامب بوصفه تعبيرًا عن الثقة بأدوات البطش، وعن المبالغة في قدرتها على حل المشكلات. فحين يُعرض التصعيد باعتباره المخرج الطبيعي من تعثر السياسة، يتراجع الاهتمام بفهم مصالح الطرف الآخر وحدود ما يستطيع التنازل عنه. وتتحول التسوية إلى امتحان خضوع، فيصبح قبولها أصعب، ثم يُتخذ تعثرها ذريعة لمزيد من التصعيد.
وقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، في افتتاح المناقشة العامة، من حدود قوة الدول الكبرى، مؤكدًا أن القوة العسكرية وحدها لا تؤمّن السلام، وأن القوة الاقتصادية وحدها لا تضمن الاستقرار. وتضع هذه الملاحظة يدها على الفجوة بين امتلاك أدوات التأثير والقدرة على بناء نظام يقبل الآخرون بالعيش فيه.
من الاعتراض إلى حماية الاستقلال
شهدت المنصة الدولية اعتراضات واضحة حيث حذّر الرئيس الفرنسي من العودة إلى شريعة الغاب، ورفض الرئيس البرازيلي التعامل مع بلاده باعتبارها حديقة خلفية لأحد. لذا فإن السؤال يتجاوز الصمت إلى أسباب عجز الاعتراضات المتفرقة عن تكوين قدرة جماعية ترفع كلفة الإكراه.
يمكن فهم جانب من هذا العجز في ضوء تفاوت المصالح والاعتماد على واشنطن. فدولة تراهن على حمايتها العسكرية، وأخرى تخشى خسارة سوقها، وثالثة تتصور أن مسايرة الضغط على خصمها ستمنحها مكسبًا. هكذا تتجزأ مواجهة الخطر، ويُترك كل طرف ليدفع ثمن اعتراضه منفردًا، بينما يستفيد صاحب القوة من انقسام المتضررين منها.
بالنسبة إلى العرب، يقتضي هذا الواقع حسابًا جادًا لمصادر قابلية بلداننا للضغط. يبدأ توسيع استقلال القرار بتقليل الارتهان في الغذاء والتسليح والتمويل، وببناء مصالح إقليمية مشتركة تجعل الاعتداء على سيادة بلد كلفة تمسّ شركاءه. وتبقى حماية الحقوق الفلسطينية معيارًا لاختبار جدية أي حديث عن قانون دولي يسري على الجميع؛ فقبول استثناء الكيان الصهيوني من المحاسبة يقوّض المبدأ الذي تحتاج إليه سائر الدول لحماية نفسها.
أما انتظار أفول أميركا كي تتحسن أحوالنا، فيعفي أنظمتنا من مسؤولية بناء أسباب قوتها. وقد تنتهي مرحلة هيمنة لتبدأ منافسة أشد قسوة على البلدان المفككة. لذلك يحتاج التحرر من الوصاية إلى دول متماسكة، تستند إلى رضى شعوبها، وتملك من الإنتاج والمعرفة ما يمنح قرارها السياسي قدرة على الصمود، فاستقلال الخارج يبدأ من مناعة الداخل.
هنا تكمن مفارقة الغطرسة: حين تجعل واشنطن نفوذها مصدرًا دائمًا للتهديد، فإنها تمنح الآخرين سببًا إضافيًا لتقليصه. وقد تتأخر قدرتهم على ذلك، لكن الإكراه يظل يراكم دوافع الخلاص منه. وما يبدو في حساب القوة انتصارًا عاجلًا، قد يُسجَّل في حساب الهيمنة خسارة مؤجلة.
العالم الذي يستحق أن نناضل من أجله تتساوى فيه حرمة الأوطان، وتُصان فيه حياة الإنسان من نزوات القوة. ولأميركا فيه مكانها وحقوقها، ضمن حدود تصون حقوق سواها: لها حق العيش بأمان، وللعالم حق العيش آمنًا منها.



