في ظل حسابات الرمال المتحركة.. لماذا رفض ترامب الغوص في المستنقع اليمني؟

د. مهدي مبارك عبد الله..
تشهد خريطة النفوذ والتموضع العسكري في الساحل الغربي لليمن، تحولات دراماتيكية متسارعة أعادت صياغة معادلات القوة في واحدة من أكثر الممرات المائية حيوية في العالم، حيث جاءت التطورات الأخيرة المتمثلة في التمدد الميداني لجماعة أنصار الله نحو مدينة المخا الاستراتيجية واقتراب القوى المسلحة من إحكام قبضتها على مضيق باب المندب لتدق ناقوس الخطر في العواصم الإقليمية والدولية ولتضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار جيوسياسي بالغ التعقيد والخطورة في توقيت حساس مشحون بالتجاذبات الدولية وموازٍ للانتخابات النصفية الأمريكية الوشيكة.
اللافت بشكل دقيق في تطور الأحداث انه رغم فداحة هذا التحول الميداني الذي يهدد الشرايين الرئيسة للاقتصاد العالمي وحركة الملاحة البحرية وتزايد الضغوط والاتصالات الدبلوماسية المكثفة التي أجرتها الرياض مع واشنطن لحثها على التدخل العسكري المباشر وشن ضربات جوية رادعة ضد قوات أنصار الله، إلا أن موقف الرئيس دونالد ترامب جاء حاسماً بالرفض التام، مفضلاً الاكتفاء بتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي غير القتالي، مما أثار موجة من التساؤلات العميقة في أروقة مراكز القرار حول الأسباب الحقيقية التي تجعل واشنطن تخشى الغوص مجدداً في الرمال اليمنية المتحركة.
القراءة المتأنية للرفض الأمريكي تكشف عن رغبة واشنطن في تجنب استنساخ سيناريوهات الحروب السابقة المفتوحة وغير محسومة النتائج، حيث تدرك إدارة ترامب أن قوات أنصار الله باتت تمتلك ترسانة صاروخية وشبكة مسيرات قادرة على استهداف العمق الإقليمي لجميع دول المنطقة، فضلا عن مصادر الطاقة، وأن أي تصعيد جوي أمريكي مباشر قد يفجر مواجهة إقليمية شاملة تسعى الولايات المتحدة لتفاديها في الوقت الراهن من أجل حماية أسواق النفط العالمية التي تشهد بالفعل قفزات مقلقة في الأسعار تجاوزت حاجز المائة دولار للبرميل حتى الآن.
البعد الاستراتيجي الأكثر تعقيداً في هذا الانكفاء الأمريكي يتمثل في تنامي الصراع الدولي الصامت على البحر الأحمر حيث ترقب بكين وموسكو أي تورط عسكري أمريكي جديد في اليمن لاستغلاله كفرصة لتعزيز نفوذهما المتصاعد في شرق أفريقيا وغرب آسيا مما جعل الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن أي استنزاف لقواتها البحرية والجوية في مواجهة مسيرات الحوثيين المنخفضة التكلفة سيمنح خصومها الكبار فرصة ذهبية لملء الفراغ الجيوسياسي في مناطق حيوية أخرى من العالم وتحديداً في حوض المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي.
هذا التحول الأمريكي الجيوسياسي ينعكس مباشرة على منظومة الأمن القومي العربي، حيث يمثل الرفض الأمريكي الصادم محطة فاصلة تفرض على عواصم القرار في المنطقة إعادة التفكير في جدوى الاعتماد على الوعود الدفاعية التأريخية للغرب والتحرك الجاد نحو بناء عقيدة أمنية إقليمية مستقلة قادرة على حماية الممرات المائية العربية دون حاجة لغطاء أجنبي أثبتت المتغيرات الحالية أنه الغطاء الأمريكي هش ومحكوم بالمصالح الضيقة وتوازنات القوى الانتخابية داخل الولايات المتحدة.
على الجانب الآخر، لا يمكن إغفال التداعيات الاقتصادية الكارثية التي قد تترتب على أية مغامرة عسكرية غير محسوبة في باب المندب خاصة وان الشركات الملاحية الدولية وشركات التأمين البحري بدأت بالفعل في تسعير المخاطر العالية وتغيير مسارات سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما يعني أن أية ضربات أمريكية واسعة ستؤدي حتماً إلى شلل شبه كامل في حركة التجارة بين الشرق والغرب وهو الأمر الذي تخشاه واشنطن نظراً لانعكاساته الفورية على معدلات التضخم الداخلي في أمريكا والتي تشكل التحدي الأكبر لوعود ترامب الاقتصادية لجمهوره .
التحليل الميداني العسكري للجغرافيا الساحلية اليمنية الممتدة من ذوباب وباب المندب صعوداً إلى الخوخة والتحيتا يعزز صوابية الحذر الأمريكي لان السيطرة الحوثية على المرتفعات الجبلية المطلة على الساحل الغربي مثل جبال كهبوب وموزع تمنح قوات صنعاء ميزة السيطرة النارية المطلقة والقدرة على رصد وتوجيه الضربات المباغتة لأي قوات بحرية تحاول الاقتراب ما يجعل أي رهان على تحييد هذه التهديدات عبر القصف الجوي الامريكي وحده ضرباً من الوهم العسكري ونوعاً من الانتحار الجيوسياسي الذي ترفضه حسابات البنتاغون بدقة متناهية .
التراجع الأمريكي عن التدخل المباشر في المستنقع اليمني يمثل رسالة سياسية بالغة الدلالة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مفادها، أن الاعتماد المطلق على المظلة العسكرية الأمريكية لحسم الصراع الداخلي بات رهاناً خاسراً، وأن التغييرات الجارية في خارطة النفوذ بالساحل الغربي تطلب مراجعة شاملة للتحالفات وبناء القدرات الذاتية، بعيداً عن أوهام التدخلات الخارجية التي تخضع لحسابات واشنطن الخاصة ومصالحها الانتخابية والجيوسياسية المتغيرة.
أما الرسالة الموجهة للرياض فتبدو أكثر رصانة ووضوحاً، حيث يؤكد هذا الموقف أن الإدارة الأمريكية رغم التزامها بحفظ أمن شركائها التقليديين وتزويدهم بالمعلومات لن تقحم جيشها في حرب استنزاف برية أو جوية بالوكالة، وأن على القوى الإقليمية إدراك حدود القوة الأمريكية وإمكانية التحرك نحو خيارات بديلة سواء عبر تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك الإقليمية الجديدة أو البحث عن مسارات تفاوضية من موقع قوة، بعد أن ثبت أن لغة الصواريخ وحدها لم تعد كافية لتغيير الواقع الميداني المفروض على الأرض في اليمن.
ختاما: الرياض طلبت من واشنطن المبادرة بضرب أنصار الله لأنها وجدت أن الخطر الحوثي بات يقترب من باب المندب ويهدد مصالحها الحيوية، أما ترامب فكان يرى الصورة من زاوية أوسع، حيث إنه لا يسأل فقط كيف يمكن ان نضرب الحوثيين بل ماذا سيحدث بعد الضربة وهذه هي النقطة التي تجعل الرفض الأمريكي أكثر دلالة من الطلب السعودي نفسه حيث تبدو واشنطن للمرة الأولى أمام معضلة يمنية لا تخشى فيها من عدم قدرتها على إطلاق الصواريخ، وإنما من قدرتها على إطلاقها من دون أن تعرف كيف تنهي الحرب، لان النار ستبقى مشتعلة تحت جمر الساحل الغربي ولهذا تخشى واشنطن فتح جبهة اليمن.



