إيران تفصح عن معادلاتها الجديدة لجميع جبهات المقاومة

بقلم: ايهاب شوقي..
تسعى أميركا عبر استراتيجية الكماشة العسكرية والاقتصادية، إلى فرض نمط الحرب وإدارة الصراع بما يناسب وضعها الاستراتيجي والتعبوي، وتتصور أن إيران وجبهات المقاومة ستخضع لهذا النمط عبر سياسة رد الفعل المتناسب والانهيار الاقتصادي المتدرج.
إلا أن إيران قلبت الطاولة على أميركا وأبرزت أنها لا يمكن إخضاعها للسيطرة الأميركية على وتيرة التصعيد ونمط الاستنزاف، وذلك عبر الإعلان عن استراتيجية الرد الموسع ودفع الأمور إلى المواجهة الشاملة، وهي دلالة مباشرة على أمرين في غاية الأهمية الاستراتيجية وهما:
أولًا: الجهوزية وامتلاك القدرة على المواجهة الشاملة.
ثانيا: الجدية الشديدة والصارمة في الحفاظ على المكتسبات وعدم عودة الزمن إلى الوراء.
وقبل مناقشة الرد الإيراني الأخير على العدوان الأميركي على ناقلات النفط الإيرانية، ينبغي أن نشير إلى المبادرة الهجومية الإيرانية المتمثلة في فرض منطقة حظر خارج مضيق هرمز لقطع الطريق على محاولات الالتفاف الأميركية عبر مسارات أخرى، حيث أعلن الحرس الثوري أن منطقة بحرية خاضعة لقيود ستمتد من تشابهار في إيران إلى أجزاء من خليج عُمان وبحر العرب، على أن تُعلن إحداثياتها الدقيقة لاحقًا، وذلك تأكيدًا لما قاله محسن رضائي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني حول إنشاء إيران لمنطقة محظورة خارج مضيق هرمز خلال الأيام المقبلة.
الرد الإيراني ودلالاته:
على خلاف التصور الأميركي بأن إيران ستكتفي بالضربات التقليدية ببضعة صواريخ للأردن أو الكويت والبحرين، فإن إيران قامت بتوسيع الرد كمًّا ونوعًا، حيث يمكن مناقشة بعض الدلالات لهذه الردود كما يلي:
1- تم قصف قاعدة الأزرق بشكل يختلف عن المرات السابقة، حيث ركزت الضربات على البنية التحتية الفنية والصيانة وحظائر وملاجئ الطائرات المقاتلة من طراز F-35 وF-16 وF-15، إضافة إلى مرابض طائرات المسيرات من طراز MQ-9 ومساكن الجنود.
وقد جاءت الضربات من مسارات مختلفة ما أربك الدفاعات، كما استخدمت إيران عددًا كبيرًا من الصواريخ التي تنوعت بين العاملة بالوقود السائل والصلب، وهي إشارات ورسائل إلى احتفاظ إيران بقدراتها الصاروخية كمًّا ونوعًا.
2- استهداف السفن: حيث تبنى الحرس الثوري استهداف مدمرتين أميركيتين تحملان صواريخ كروز ونظام “إيجيس” الدفاعي بالصواريخ الباليستية، وهو تطور جديد يبعث برسائل ردع وتهديد للبحرية الأميركية بأنها أصبحت محل استهداف مباشر لنيران الحرس والبحرية الإيرانية.
3- استهداف ناقلات النفط وسفن الشحن: حيث أعلنت إيران عن مهاجمة ثماني ناقلات نفط، ردًّا على استهداف ناقلاتها، وهي معادلة جديدة ترسيها إيران بأن أميركا ستكون المتسبب الأكبر في خسائر الناقلات النفطية للدول الأخرى إذا ما أصرت على استهداف ناقلات إيران.
الغواصة المسيرة
أما التطور النوعي الأبرز، فقد تمثل في إعلان الحرس الثوري أن بحريته تمكنت من السيطرة على واحدة من أحدث الغواصات الذكية ذاتية القيادة التابعة للجيش الأميركي من طراز “دايف-إل دي” (Dive-LD)، والتي تصنعها شركة الدفاع الأميركية “أندوريل” (Anduril) ودخلت الخدمة عام 2025.
وهي بلا شك غنيمة عسكرية ولها دلالات كبرى على تطور الرصد الإيراني والبراعة في مجال الحرب الإلكترونية.
وهذه الغواصة مصممة للعمل المستقل بالكامل في المياه العميقة والوصول إلى عمق تشغيلي هائل يصل إلى ستة آلاف متر، ويمكنها العمل بشكل متواصل تحت الماء لمدة تصل إلى عشرة أيام دون الحاجة للعودة إلى القاعدة، وتُقدّر تكلفة الوحدة الواحدة منها بنحو 2.5 مليون دولار.
وقد حاولت أميركا التهوين من هذا الإنجاز عبر الادعاء أنها قديمة وأنها أصيبت بعطب وأنها لا تحمل معلومات سرية.
إلا أن المواقع العسكرية الأميركية نفسها، ومن أهمها موقع TWZ المتخصص في الأخبار والتحليلات العسكرية والاستراتيجية والجيوسياسية، اعترف بأهمية وخطورة هذه العملية.
وهذه العملية توجه عدة ضربات لأميركا أهمها:
أولًا: إفشال استغلال الجيش الأميركي للصراع الدائر مع إيران لعرض أنظمة أسلحة جديدة وقدرات أخرى، وهي ضربة لشركات السلاح المصنعة لهذه النماذج.
ثانيًا: تتيح الهندسة العكسية لإيران بعد معرفة قدرات وحدود الغواصة أن تقوم بتصنيعها ومشاركة معلوماتها مع حلفائها في روسيا والصين، وهو أمر خطير لأن أميركا تستخدم هذه القدرات في مسارح العمليات الأخرى.
ولو سلمنا بصحة الرواية الأميركية، فإنها تعد بمثابة فضيحة لأميركا، عندما تستخدم غواصات قديمة في مسرح عمليات بهذه الأهمية، كما تتولد علامات استفهام عن فشل أميركا في تتبعها وإنقاذها وقطع الطريق على وصولها للخصم.
والخلاصة، أننا أمام معادلات إيرانية جديدة ترفض السيطرة الأميركية على وتيرة المعركة ودرجة تصعيدها، وتتجه لامتلاك إيران لزمام المبادرة، وتبرز أن هناك قرارًا استراتيجيًا صارمًا بفرض معادلات وتوازنات جديدة لكامل جبهات المقاومة، وهو ما لخصه المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي بالقول “إذا أرادت أميركا إنهاء هذا الوضع، فعليها، إلى جانب وقف الحرب تمامًا، الامتناع عن تكرار التهديدات، وسحب الجيش “الإسرائيلي” من لبنان، وإنهاء الحصار المفروض على اليمن، والإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، والكف عن أي تدخل في القدرات النووية والصاروخية للبلاد”.



