اراء

من جبهة إيران إلى أروقة البنتاغون.. كيف بدأت الحرب تستنزف إدارة ترامب؟

بقلم: شرحبيل الغريب..

لم تعد الحرب الأمريكية على إيران حرباً تُدار في مياه الخليج أو عبر الضربات الجوية العسكرية بمختلف أنواعها، فالمؤشرات المتصاعدة من داخل البنتاغون توحي بأنّ للحرب وتداعياتها جبهةً داخليةً للمؤسسة العسكرية الأمريكية، أقلّ ظهوراً، لكنها بدأت تتكشّف في العلن.

أن يخضع نحو خمسين عضواً من هيأة الأركان المشتركة لاختبارات كشف الكذب بحثاً عن مصدر تسريبات تتعلّق تحديداً بتراجع مخزون الذخائر والأسلحة الأميركية، ليس خبراً عابراً ولا مجرّد إجراء يمكن أن يصدر بشكل طبيعي عن البنتاغون، وعندما تتزامن هذه التحقيقات مع تغييرات متسارعة في القيادة العسكرية، واستقالات وإقالات طالت مسؤولين وقادة، تتشكّل أمامنا صورة أكثر وضوحاً لواقع أكثر تعقيداً، واقع يتمثّل في حرب أميركية بدأت خارجية على إيران، لكنها بدأت تضغط على الداخل، وتحديداً داخل مؤسسة البنتاغون، وإدارة تخشى ما قد تكشفه مؤسساتها نفسها عنها.

جلّ التسريبات الإعلامية والتقارير التي نُشرت في هذا السياق طالت مسؤولين عسكريين كباراً، وتركّزت حول معلومات حسّاسة تتعلّق بمخزون الأسلحة والذخائر في ظلّ الحرب على إيران.

المعضلة الأميركية ليست فقط في كمية الذخائر المتوفرة في مستودعاتها، وإنما في طبيعة التزاماتها العسكرية حول العالم، وتحديداً تجاه “إسرائيل” بوصفها حليفاً استراتيجياً لها، ومن زاوية أخرى، تنظر واشنطن إلى ميزان الردع وتأثّره تُجاه دول كبرى مثل الصين وروسيا، وكذلك إلى تأمين قواعدها المنتشرة في كثير من الدول، بعدما تضرّرت بفعل الضربات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط.

الرؤية الأميركية تجاه هذا الموضوع أصبحت ترى أنّ كلّ صاروخ يطلق قد لا يكون متاحاً في حرب أخرى إذا ما فتحت جبهة مع أيّ دولة، وهذا ما يجعل ملف الذخيرة الأميركية أكثر حساسية من مجرّد قضية إمداد عسكري، فالأمر هنا يتعلّق بترتيب الأولويات الاستراتيجية الأميركية في وقت أصبحت فيه واشنطن تخوض حروباً على أكثر من جبهة وفي الوقت نفسه.

ثمّة سؤال يطرح نفسه في هذا السياق.. لماذا جاءت قضية التسريبات الآن تحديداً من البنتاغون؟

في تقديري، أنّ التوقيت ليس صدفة ولا أمراً ثانوياً، فالحرب على إيران دخلت مرحلة لم تعد فيها واشنطن قادرة على التعامل معها وحسمها بطريقة عسكرية خاطفة أو بضربة محدودة الأهداف، فاستمرار الحرب يعني استمرار الاستنزاف، وكلما طال أمدها أصبحت الفجوة أكثر وضوحاً بين قوة الترسانة العسكرية الموجودة والقدرة على تعويض ما يُستهلك منها في وقت زمني قياسي.

هل نحن بالفعل أمام أزمة ثقة في البنتاغون الأمريكي؟

من حيث المبدأ، فإنّ إخضاع عدد كبير من أعضاء هيأة الأركان المشتركة للتحقيق واختبارات كشف الكذب يحمل في طيّاته دلالة أخرى لا تقلّ أهمية، وهي وجود أزمة ثقة حقيقية داخل مؤسسة البنتاغون، وعندما يصل التحقيق إلى مستويات عليا، فهذا يعني أنّ دائرة الشكّ اتسعت بشكل كبير ومن المعروف في الحروب أنّ المؤسسة العسكرية، أياً كانت، تعتمد على الثقة المتبادلة بين جميع المستويات، سواء كانت عسكرية أو سياسية، وهنا تبدأ أخطر الأزمات تحديداً.

تزداد حساسية الأمر في ظلّ التغييرات الواسعة التي شهدتها القيادة العسكرية الأميركية خلال إدارة ترامب ووزير دفاعه (بيت هيغسيث)، حيث شهد البنتاغون سلسلة من الإقالات والاستقالات والتغييرات في المناصب العليا. كما تحدّثت التقارير الأخيرة عن استمرار حركة التغييرات في المواقع القيادية العليا، بما في ذلك مغادرة مسؤولين عسكريين ومدنيين بارزين.

التحقيق في التسريبات خلال الحروب أمر مفهوم من الناحية الأمنية، لكنّ الخطر يبدأ عندما يتجاوز التحقيق البحث عن مصدر تسريب معلومات حسّاسة وسرية إلى خلق مناخ يشعر فيه المسؤولون بأنّ الاختلاف مع الرواية السياسية قد يكلّفهم مواقعهم، ولعلّ السؤال الأهمّ هنا.. ماذا بعد هذه التسريبات خلال المرحلة المقبلة؟ في تقديري، فإنّ ثلاثة سيناريوهات تنتظر مشهد مآلات الأوضاع بعد هذه التسريبات والإقالات في البنتاغون:

السيناريو الأول.. أن تنجح إدارة الرئيس ترامب في احتواء الأزمة من خلال زيادة الإنتاج العسكري، بما يخفّف من تداعيات ما كشفته التسريبات، مع ضبط ملف التسريبات المرتبطة بالأمن القومي الأميركي وإعادة ترتيب القيادة داخل مؤسسة البنتاغون، وهذا يتطلّب، قبل أيّ شيء، تسريع القدرة الإنتاجية العسكرية لتعويض ما يجري استهلاكه لتغطية العجز.

السيناريو الثاني.. أن تستمر الحرب لفترة أطول، وتصبح قضية الذخائر أكثر مركزية، فكلّ يوم إضافي يعني مزيداً من الضغط على المخزون، ومزيداً من الإنفاق، ومزيداً من الأسئلة داخل أروقة البنتاغون وخارجه، وعلى مستوى الرأي العامّ الأميركي.

السيناريو الثالث.. وهو، في اعتقادي، السيناريو الأخطر سياسياً إذا ما تحقّق، ويتمثّل في اتساع الفجوة بين إدارة ترامب والمؤسسة العسكرية الأميركية فإذا شعر القادة العسكريون بأنّ تقديراتهم لا تحظى بالقبول، أو أنّ من يسرّب الأخبار يصبح موضع شكّ، فإنّ الأزمة ستتحوّل حينها من قضية تسريبات إلى أزمة في عملية اتخاذ القرار نفسها.

صحيح أنّ الحرب بدأت على إيران خارج أسوار البنتاغون، لكنّ استمرارها يجعل أخطر معاركها تُخاض في الداخل الأميركي نفسه، بين منطق الحرب وحدود القوة والاستنزاف الحقيقي، وبين الإدارة الأميركية بزعامة ترامب، بوصفها المؤسسة السياسية التي لا تريد الاعتراف بالفشل والاستنزاف، وصولاً إلى انكشاف الهزيمة من الداخل.

قد تبدأ الحروب على الخرائط وفي ساحات المواجهة العسكرية سهلة، لكنها قد تنتهي بهزيمة تُصنع من الداخل حين يصبح الاستنزاف أقوى من القدرة على إخفائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى