هل تتجه تركيا و”إسرائيل” نحو مواجهة عسكرية مباشرة في سوريا؟

بقلم: نضر فارس..
لم يعد التوتر بين أنقرة و”تل أبيب” في سوريا مجرد خلاف سياسي يمكن احتواؤه بالتصريحات. فمنذ الاعتداء الإسرائيلي على مطار “أبو الظهور” العسكري شرقيَّ إدلب في 18 آب الماضي، انتقلت العلاقة بين الطرفين إلى منطقة أكثر خطورة، تطرح سؤالاً: هل باتت تركيا و”إسرائيل” على أعتاب احتكاك عسكري مباشر، ولو محدود، وما الذي يمكن أن يوقف الانزلاق إليه؟.
الإجابة تبدأ من سوريا، الساحة التي تحوّلت عقب سقوط النظام السابق إلى نقطة تصادم بين مشروعين إقليميين متعارضين؛ أحدهما تركي يراهن على دولة سورية مركزية بقيادة صديقة له، والآخر إسرائيلي يفضّل، كما تشير الممارسات، سوريا ضعيفة ومنقسمة لا تشكل تهديداً مستقبلياً.
سوريا.. خط الاشتباك المباشر
مطار “أبو الظهور” نفسه لم يكن هدفاً عسكرياً بالمعنى الدقيق. فالمنشأة كانت خارج الخدمة منذ سنوات، ولم يسفر الاعتداء عن خسائر بشرية، واقتصر الدمار على المباني والمدارج، بحسب ما نُقل في سوريا. لكن دلالته السياسية كانت أكبر من حجمه العسكري بكثير: فقد جاءت لتمنع، بحسب التبرير الإسرائيلي، انتشاراً عسكرياً تركياً محتملاً هناك، وبذلك تكون الرسالة الإسرائيلية قد تجاوزت المطار نفسه؛ أيّ انتشار تركي عسكري نوعي في سوريا قد يصبح هدفاً، حتى قبل أن يتحول إلى واقع ميداني مكتمل، في وقت لم تتأخر فيه دمشق وأنقرة عن نفي وجود أي نية لذلك.
الأهم أن الضربة لم تكن حادثة معزولة. فقد سبقتها ضربات سابقة متعددة، ما يعكس نمطاً إسرائيلياً متكرراً في التعامل مع أي مؤشر على تمدد عسكري تركي داخل الأراضي السورية، ولو كان في طور التخطيط لا التنفيذ. وبحسب المصادر التركية التي تناولت القضية، فإن التفاهمات القائمة مع دمشق كانت تسمح لأنقرة بالعمل شمال قاعدة “تي-4” شرق حمص وسط البلاد، وهو ما يجعل استهداف مطار “أبو الظهور”، من الزاوية التركية، تجاوزاً إسرائيلياً لتفاهم تركي مع دمشق.
ميزان القوى.. لماذا تتردد “إسرائيل”؟
أي تقدير لاحتمالات التصعيد لا يمكن أن يتجاهل الفارق في موازين القوى بين الطرفين. فتركيا تفوق كيان الاحتلال الإسرائيلي مساحة بعشرات المرات، ويزيد عدد سكانها عليها بنحو 9 أضعاف، فيما يقارب جيشها البري 400 ألف جندي نظامي، إلى جانب احتياطي ضخم وقدرات جوية وبحرية معتبرة، رغم عدم امتلاكها حتى الآن مقاتلات “أف-35” التي تمتلكها “إسرائيل“.
الأهم من الأرقام أن تركيا عضو في حلف “الناتو”، وهو ما يمنحها مظلة سياسية وأمنية تجعل أي مواجهة مباشرة معها مختلفة جذرياً عن أي مواجهة خاضتها “إسرائيل” في الإقليم حتى الآن، منذ العدوان الثلاثي على مصر 1956 وحتى عدوانها الأخير على إيران. فتلك المواجهات جرت في ظروف وموازين قوة مختلفة تماماً، بينما أي احتكاك مع أنقرة سيضع واشنطن نفسها أمام اختبار حرج بين حليفتها الاستراتيجية وشريكتها الأطلسية.
تحالفات تُعقّد المشهد
بالعودة إلى أسباب التوتر، فلا يمكن فهم “القلق” الإسرائيلي بمعزل عن التحولات الإقليمية الأوسع التي تجري خارج الميدان السوري. فتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان في مكة المكرمة شكّل، من زاوية “تل أبيب”، مؤشراً على تبلور نظام أمني إقليمي جديد تجد “إسرائيل” نفسها في مواجهته، رغم أنها كانت تراهن على أن تكون طرفاً فيه بعد مسار التطبيع المتعثر مع الرياض.
في المقابل، يسعى كيان الاحتلال إلى بناء محور إقليمي موازٍ، عبر تعزيز العلاقات مع اليونان وقبرص، وصولاً إلى الإعلان في نهاية العام الماضي عن تشكيل قوة تدخل سريع مشتركة بين الأطراف الثلاثة، في خطوة قرأها كثيرون كرسالة مباشرة موجّهة إلى أنقرة، خصوصاً لحساسية الموضوع القبرصي للجانب التركي.
السيناريوهات المحتملة وتداعياتها على سوريا
أمام هذا المشهد، تبدو 3 مسارات رئيسة أكثر احتمالاً لتطور العلاقة بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: احتواء التنافس واستمرار الاحتكاك المحدود. وهو السيناريو الأقرب إلى المشهد الحالي، حيث تواصل “إسرائيل” ضرب أي مؤشر على تمركز عسكري تركي في سوريا، بينما تكتفي تركيا بالاحتجاج السياسي والدبلوماسي من دون رد عسكري مباشر، مفضّلة تعزيز نفوذها عبر التغلغل في مؤسسات الدولة السورية وجيشها الجديد، بما يمنحها أوراق قوة أكثر ديمومة من أي رد فوري.
السيناريو الثاني: تصعيد غير مقصود. ويتمثل في حادثة معينة، كضربة إسرائيلية تصيب بالخطأ عناصر تركية أو حلفاء لها، أو اشتباك بين منظومة دفاع جوي تركية وطائرة إسرائيلية، من شأنها أن تضع الطرفين في موقف يصعب معه تجنّب الرد، حتى لو لم يكن أي من الطرفين يرغب أصلاً في مواجهة واسعة.
السيناريو الثالث: تهدئة تفاوضية مدعومة أميركياً. ويستند إلى استمرار قنوات الاتصال القائمة فعلاً بين “إسرائيل” وسوريا، بما في ذلك اللقاءات غير المعلنة بين مسؤولين أمنيين من الطرفين برعاية أميركية، بما يُفضي إلى تفاهمات أوسع تحدد بوضوح خطوط الانتشار التركي المسموح بها إسرائيلياً في سوريا، بما يقلل من فرص التصعيد العرضي. فالتهدئة، إذا حصلت، لا تعني إنهاء التنافس، وإنما وضع قواعد تمنع تحوله إلى مواجهة مباشرة.
في النهاية، لا يبدو أن أياً من الطرفين يريد فعلياً حرباً مفتوحة، فحسابات الطرفين، ووجود الحليف الأميركي المشترك، تدفع باتجاه الاحتواء لا التصعيد الشامل. لكن اتساع نقاط الاحتكاك، في سوريا خصوصاً، ومنطقة شرق المتوسط عموماً، وصولاً إلى الصومال، يجعل الهامش الفاصل بين التنافس البارد والانزلاق إلى مواجهة فعلية أضيق مما كان عليه في أي وقت مضى منذ سقوط نظام الأسد.



