ما لتشرين وما عليه …

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
لا أحد ينكر أن العملية السياسية العراقية أنتجت طبقة من السياسيين الفاسدين من الرأس حتى القدم . غير أن بعضهم لكثرة ما ابتلع من المال العام أصيب بتخمة الهذيان وتكرار دوره في الإصلاح ومكافحة الفساد ، وكلما سُئل أحدهم عمَّا يعانيه العراقيون من الكهرباء والماء والبطالة والخراب رفع سبابته وقال إنما نحن مصلحون . نتساءل هنا إذا كان الجميع أتقياء صالحين إصلاحيين فمن الذي أفسد البلاد ؟ لم يعد الفساد في العراق بحاجة إلى أن يتخفى أو فضيحة تدعو للتواري . إنه يمشي متباهيًا جهارا في الشوارع بموكب رسمي ويجلس في الصف الأول في المنتديات والمؤتمرات وتوضع أمامه باقة ورد ثم يلقي خطابا عن النزاهة ومكافحة الهدر وبناء الوطن . لقد صار الفساد دولة ومؤسسات وزعامات وقيادات ومافيات وحصانات وله لجان اقتصادية تحتويه ومكاتب إعلامية تشرح للناس دواعيه وتبرر أسبابه وتعِدُ الناس خيرا وفيرا والجميع مؤمنون متقون صالحون مصلحون أصحاب ضمائر نقية يقظة . لهذا كانت ثورة تشرين استحقاقا وثمرة مرة لسنوات من القهر وانقطاع الكهرباء وغياب فرص العمل وانسداد الأفق وتحول الدولة إلى ممر خاص لأصحاب النفوذ . خرج الشباب يطلبون وطنا لا مرتعا للفاسدين ودولة لا كشكا حزبيا وكرامة لا منّة انتخابية . خرجوا وبينهم ثوار حقيقيون لا يريدون سوى أن يتوقف الوطن عن فوضى الضياع . ولكن سرعان ما دخلت على خط تشرين جهات خبيثة وأجندات واختراق من دوائر إقليمية كما حاولت بقايا النظام السابق وشبكاته أن تجد لنفسها موطئ قدم في موجة الغضب . ومن لنا بمن يكشف من حرّك ومن موّل ومن ركب الموجة ومن أشاع الفوضى و ترك الشباب في الواجهة حيث وقعت تشرين في المطب .. تحولت بعض الساحات من منابر للمطالبة إلى ساحات للابتزاز وإشاعة الرذيلة كما حصل في فواحش الطابق الخامس بالمطعم التركي ومأساة نحر الفتى الشهيد في ساحة الوثبة ومفارز قطع الدوام وإيقاف التعليم وحرق المحلات الخاصة في شارع الرشيد وحرق الدوائر الحكومية في الناصرية والبصرة ، وحرقت معالم الوطن بقيادة عفلوك والوسخ والوشاح ورقصات الأنبارية أم الببسي وتلك النساء اللاتي توزّع الدولار والبطانيات هدية من ابن زايد في الإمارات تحت شعار نريد وطن ، ليس كل من خرج إلى تشرين عميلا كما ليس كل من هتف فيها ثائرا نقيا . اختلط الحابل بالنابل بين شاب خرج صادقا ومندس جاء بمهمة وانتهازي يبحث عن فرصة ومراهق يريد مغامرة . لقد كان الفساد سببا كافيا للثورة وسيبقى سببا كافيا لثورات متجددة . لكن الثورة ليست حريقا ولا قطع طريق ولا تخريب مدرسة ولا الاعتداء على متجر مواطن لا ذنب له . الثورة الحقيقية أن تحاصر السارق بالقانون وأن تستعيد الدولة لا أن تنتقم منها وأن تفهم أن الوطن ليس مبنى حكوميا فحسب . الوطن مدرسة ومستشفى وشارع ومحل بقالة وبيت فقير . تشرين لم تكن خطأً في أصلها بل كانت صرخة مشروعة شابها ما شابها حين تحولت الى فوضى واحتجاج بلا قيادة واضحة ولا برنامج محدد , فوضى سرقت المطالب وحرقت المعنى ومنحت الفاسدين فرصة ارتداء ثوب الضحية . لنأخذ من تشرين درسا أن نواجه كل من يخرج علينا قائلا (نريد وطن) فنسأله أي وطن تقصد ؟ الوطن الذي نحلم به جميعا وكاد أن يُبنى بالاتفاقية الصينية أم الوطن الذي سلمتموه لأمريكا وتريد أن تحرقه كي تثبت أنك تحبه ؟



