منطقة آمنة إسرائيلية في سوريا؟ عندما يتحول الفراغ السوري إلى تهديد للأردن ولبنان

بقلم: د. شهاب المكاحله..
لم يعد الجنوب السوري مجرد منطقة حدودية مضطربة يمكن اختزال ما يجري فيها باعتباره سلسلة من الحوادث الأمنية المتفرقة. فمنذ انهيار النظام السوري السابق ودخول البلاد مرحلة جديدة من إعادة تشكيل السلطة والنفوذ، أصبح الجنوب واحداً من أهم المسارح التي تتقاطع فيها حسابات إسرائيل والأردن ولبنان وتركيا والولايات المتحدة والقوى السورية الجديدة.
وما يجعل التطورات الأخيرة أكثر حساسية ليس فقط حجم التحرك الإسرائيلي، وإنما الفكرة التي تقف خلفه: أن الأمن الإسرائيلي يمكن أن يُعاد تعريفه من خلال إنشاء نطاق أمني داخل الأراضي السورية، وبعمق يتجاوز بكثير مفهوم حماية الحدود التقليدي. وإذا ترسخ هذا الواقع، فإن المشكلة لن تبقى سورية-إسرائيلية فحسب؛ بل ستصل تداعياتها إلى عمان وبيروت، وربما تصبح جزءاً من هندسة أمنية جديدة للشرق الأوسط بأكمله.
من منظور إسرائيلي، يمكن فهم التحرك في سياق مفهوم أمني قديم يقوم على إبقاء التهديدات المحتملة بعيداً عن الحدود الإسرائيلية بدلاً من انتظار وصولها إليها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا المفهوم من إجراء عسكري مؤقت إلى واقع جغرافي وسياسي دائم. فالحديث عن تقسيم الجنوب السوري إلى نطاقات أمنية مختلفة، أو إقامة منطقة عازلة تمتد عشرات الكيلومترات داخل الأراضي السورية، يعني عملياً أن السيادة السورية لم تعد العامل الوحيد الذي يحدد طبيعة الجنوب. وفي هذه الحالة، يصبح الخط الفاصل بين “المنطقة الأمنية” و”منطقة النفوذ” بالغ الدقة، وقد لا يكون من السهل التراجع عنه لاحقاً. التاريخ الإقليمي يقدم أمثلة كثيرة على ترتيبات بدأت باعتبارها مؤقتة ثم تحولت، بفعل توازنات القوة، إلى حقائق سياسية استمرت لسنوات أو عقود.
وهنا تكمن المسألة الأكثر أهمية: هل نحن أمام ترتيبات أمنية مؤقتة فرضتها ظروف انهيار الدولة السورية، أم أمام بداية إعادة رسم فعلية للخريطة الاستراتيجية في جنوب سوريا؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد الكثير من مستقبل المنطقة. فإذا كان الهدف هو منع تهديدات عسكرية محددة وإبعاد الأسلحة والقوات غير النظامية عن الحدود، فقد يكون بالإمكان التوصل في نهاية المطاف إلى ترتيبات قابلة للتفاوض. أما إذا أصبح الوجود العسكري الإسرائيلي العميق جزءاً من المعادلة الدائمة، فإننا نكون أمام نموذج مختلف تماماً، تتحول فيه الحدود من خطوط تفصل بين دول ذات سيادة إلى أحزمة أمنية تتداخل فيها القوة العسكرية مع الجغرافيا والسياسة.
الأردن هو الدولة التي قد تشعر بهذه التحولات قبل غيرها. فالمملكة لا تنظر إلى الجنوب السوري باعتباره مجرد مساحة جغرافية تقع شمال حدودها، وإنما باعتباره جزءاً من عمقها الاستراتيجي والأمني. وعلى مدى سنوات، كان استقرار المنطقة الجنوبية من سوريا مرتبطاً مباشرة بأمن الحدود الأردنية، وبحركة التجارة، وبقضية اللاجئين، وبمكافحة تهريب المخدرات والسلاح، وبإمكانية عودة العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ولذلك فإن نشوء منطقة عسكرية إسرائيلية واسعة داخل سوريا يخلق معادلة جديدة لعمان: فبدلاً من التعامل مع دولة سورية ضعيفة لكنها صاحبة سيادة، قد تجد نفسها أمام جنوب سوري تتقاطع فيه السلطة السورية مع الوجود الإسرائيلي والترتيبات الأمنية الدولية والمحلية.
هناك بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو المياه. فالحديث عن الجنوب السوري لا يمكن فصله عن جغرافيا حوض نهر الأردن والموارد المائية المشتركة في المنطقة. الأردن يعيش أصلاً تحت ضغط مائي شديد، وأي تغير في ميزان السيطرة أو الإدارة أو النفوذ حول الموارد المائية الإقليمية يحمل أهمية سياسية وأمنية تتجاوز قيمته الاقتصادية المباشرة. ولذلك فإن عمان لن تنظر إلى التحركات الإسرائيلية في الجنوب من زاوية عسكرية فقط، بل ستقرأها أيضاً من خلال سؤال أوسع: من يملك القدرة على التأثير في الموارد والبنية التحتية والممرات الحيوية التي ستحدد شكل الاقتصاد الإقليمي خلال العقود المقبلة؟
أما لبنان، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً. لبنان يعيش منذ سنوات داخل بيئة أمنية هشة، تتداخل فيها أزماته الداخلية مع الصراعات الإقليمية. وأي إعادة ترتيب للجنوب السوري ستؤثر حتماً في البيئة الاستراتيجية المحيطة بلبنان، خصوصاً إذا امتد النفوذ الإسرائيلي باتجاه المناطق القريبة من الحدود اللبنانية أو أصبح الجنوب السوري جزءاً من منظومة عمليات عسكرية واستخباراتية أوسع. وفي ظل التوترات الإسرائيلية-اللبنانية، فإن تضييق المجال الجغرافي المحيط بلبنان يمكن أن يزيد من هشاشة الدولة اللبنانية، ويجعلها أكثر اعتماداً على التوازنات الخارجية التي لا تملك بيروت القدرة الكاملة على التحكم بها.
لكن اختزال المسألة في فكرة أن إسرائيل تريد “تطويق” الأردن أو لبنان قد يكون تبسيطاً مفرطاً. السياسة الإسرائيلية، مثل سياسات جميع القوى الإقليمية، تحركها مجموعة من الحسابات المتداخلة: منع عودة تهديدات عسكرية إلى الحدود، احتواء الجماعات المسلحة، منع خصوم إقليميين من إعادة بناء شبكات نفوذ في سوريا، وتأمين العمق الاستراتيجي في الجولان. المشكلة ليست في وجود هذه الاعتبارات بحد ذاتها، بل في السؤال الذي يأتي بعدها: إلى أي مدى يمكن تحقيق الأمن الإسرائيلي من دون تحويل الأراضي السورية إلى منطقة نفوذ دائم، ومن دون إنتاج تهديدات جديدة في الأردن ولبنان؟
المفارقة أن الفراغ السوري هو الذي سمح لكل هذه القوى بإعادة تعريف مصالحها على الأرض. عندما تضعف الدولة المركزية، لا يبقى الفراغ فارغاً؛ دائماً ما يأتي طرف آخر لملئه. تركيا تتحرك في الشمال، وإيران تحاول الحفاظ على ما يمكنها الحفاظ عليه من شبكات النفوذ، والقوى المحلية السورية تعيد ترتيب مواقعها، وإسرائيل توسع نطاقها الأمني في الجنوب. وفي هذه البيئة، تصبح سوريا أقل شبهاً بدولة ذات مركز واحد للقرار وأكثر شبهاً بساحة تتنافس فيها مشاريع أمنية متعددة.
وهذا هو الخطر الأكبر على الأردن ولبنان. ليس بالضرورة أن يكون الخطر حرباً جديدة غداً، وإنما أن يتحول الشرق الأوسط تدريجياً إلى مجموعة من المناطق الأمنية المتداخلة، حيث تفرض كل قوة إقليمية حدودها الخاصة للأمن، ثم تبحث عن مساحة داخل أراضي جيرانها لتحقيقها. إذا أصبح هذا المنطق مقبولاً، فإن سيادة الدولة ستصبح مفهوماً نظرياً أكثر منها قاعدة عملية. وستصبح الحدود الدولية أقل أهمية من خطوط النفوذ العسكرية والاستخباراتية.
بالنسبة للأردن تحديداً، فإن الرد الأكثر حكمة ليس الدخول في مواجهة مع إسرائيل، وإنما منع تحول الجنوب السوري إلى أمر واقع لا يمكن التأثير فيه. وهذا يتطلب من عمان الاستثمار في علاقتها مع سوريا الجديدة، والعمل مع الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا على صياغة ترتيبات أمنية لا تترك الجنوب السوري رهينة لطرف واحد. كما يتطلب إعادة بناء الدور الاقتصادي الأردني في الجنوب السوري، لأن التجارة والاقتصاد يمكن أن يكونا في بعض الأحيان أدوات أكثر فعالية من الخطاب الأمني في تثبيت النفوذ والاستقرار.
أما لبنان، فمشكلته أصعب لأنه يفتقر إلى هامش الحركة الذي يتمتع به الأردن. ومع ذلك، فإن استمرار لبنان في التعامل مع كل تحول إقليمي باعتباره أزمة منفصلة سيبقيه في موقع المتلقي للأحداث. ما يحدث في سوريا، وما يحدث على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية، وما يحدث في العراق والأردن، كلها أجزاء من منظومة أمنية واحدة آخذة في التشكل.
في النهاية، لا تكمن القضية الأساسية في تسمية ما يحدث في جنوب سوريا “منطقة آمنة” أو “منطقة عازلة” أو “ترتيباً أمنياً”. الكلمات لا تغير الجغرافيا. السؤال الحقيقي هو: من يملك القرار في هذه المنطقة، وإلى متى، وتحت أي إطار سياسي وقانوني؟ فإذا كان الترتيب مؤقتاً وقابلاً للمراجعة والتفاوض، فقد يكون جزءاً من مرحلة انتقالية مضطربة. أما إذا تحول إلى واقع دائم، فإن الشرق الأوسط سيكون أمام سابقة خطيرة: دولة تعيد تعريف حدود أمنها داخل أراضي دولة أخرى مستفيدة من ضعف الأخيرة.
وهنا ينبغي للأردن ولبنان أن ينظرا إلى المسألة ليس باعتبارها شأناً سورياً أو إسرائيلياً بعيداً عن حدودهما، بل باعتبارها جزءاً من التحول الأكبر الذي يمر به الإقليم. الشرق الأوسط الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير بسرعة، والفراغات التي خلفها انهيار الدول والصراعات الداخلية لا تبقى فارغة طويلاً. السؤال ليس ما إذا كانت الخريطة الأمنية للمنطقة ستتغير، بل من سيشارك في رسمها، ومن سيدفع ثمنها، وما إذا كان الأردن ولبنان سيبقيان طرفين في صناعة التوازن الجديد أم مجرد دول تتكيف مع توازنات يصنعها الآخرون.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس اندلاع حرب جديدة، وإنما أن يصبح الاستثناء قاعدة، وأن تتحول المناطق الأمنية المؤقتة إلى حدود فعلية، وأن يصبح الاحتلال أو النفوذ أو الانتشار العسكري داخل أراضي الدول الأخرى جزءاً طبيعياً من النظام الإقليمي. عندها لن تكون المشكلة في جنوب سوريا وحده. ستكون المشكلة في الشرق الأوسط الذي سيولد بعد سوريا.



