اراء

هل تعمل “إسرائيل” على تحويل تركيا عدوا جديدا؟

محمد الأيوبي..

في مشهد إقليمي يشهد تحولات كبرى برزت في الأسابيع الأخيرة موجة تصعيد غير مسبوقة بين “إسرائيل” وتركيا، تجاوزت حدود السجال السياسي إلى عمليات عسكرية مباشرة على الأراضي السورية، وسط تساؤلات جادة حول ما إذا كانت “تل أبيب” تسعى فعليًا إلى رسم ملامح خصم استراتيجي جديد يحل محل إيران في قاموس أعدائها. غير أن الوقائع الميدانية والقراءات الاستخبارية تكشف أن الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، فبين خطاب التهديدات “الإسرائيلية” المتصاعد، والتحذيرات الأمنية الداخلية من مغبة الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة، ثم التصريحات المتناقضة التي تسعى إلى احتواء التوتر، تتشكل معادلة إقليمية جديدة تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من الغموض والتناقض.

من إيران إلى تركيا.. تحول في قاموس التهديدات

لم تعد تركيا في الخطاب “الإسرائيلي” مجرد قوة إقليمية تختلف معها “إسرائيل” حول النفوذ والمصالح، وإنما تتقدم تدريجيًا إلى موقع الخصم الذي يجري تقديمه للرأي العام بوصفه تهديدًا استراتيجيًا متصاعدًا. فمنذ الحرب على إيران، أخذ هذا التصور يتسع داخل الأوساط السياسية والأمنية “الإسرائيلية”، حتى ظهرت مقولة “تركيا هي إيران الجديدة”، في إشارة إلى انتقال أنقرة من خانة المنافس إلى خانة الخطر الذي يستوجب المواجهة.

غارة أبو الضهور.. شرارة التصعيد الميداني

بدأت القصة في 18 آب الجاري، عندما استهدفت “إسرائيل” مطار أبو الضهور العسكري شمال غربي سوريا بثماني غارات جوية، قالت “إسرائيل” إنها جاءت لمنع -ما اعتبرته- تغييرًا في الوضع الأمني القائم، على خلفية معلومات عن نية تركيا توسيع حضورها العسكري في الموقع. وأكدت تقارير “إسرائيلية” أن الضربة استهدفت البنية التحتية للمطار قبل وصول القوات التركية إليه.

اللافت أن الولايات المتحدة نفسها شككت في المبررات “الإسرائيلية”، حيث قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، إن الاستخبارات “الإسرائيلية” التي استندت إليها “تل أبيب” في شن الغارة كانت “خاطئة”. وأشار براك إلى أن الهجوم قد يكون محاولة “إسرائيلية” “لإغراء الأتراك” بخلق مواجهة، واصفًا إياه بأنه “استفزاز متعمد“.

اللحظة الانتخابية.. صناعة العدو كاستراتيجية سياسية

غير أن قراءة المشهد من زاوية أمنية وحدها قد تكون قاصرة، فالمعطيات تشير بقوة إلى أن ما يجري يتجاوز الحسابات الاستراتيجية إلى لعبة سياسية داخلية معقدة، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بموعد اقتراب الانتخابات “الإسرائيلية” المقررة في 27 تشرين الأول المقبل.

ففي اليوم التالي للغارة، رفع رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو سقف الرسائل السياسية، معلنًا أن “إسرائيل لن تتسامح مع وجود عسكري تركي في سوريا”. وفي تصريحات لاحقة، قال نتنياهو إن “إسرائيل لن تتحمل وجودًا عسكريًا تركيًا يتجه جنوبًا، لأنه يهددنا”، مضيفًا: “أرسلنا رسالة. ووصلت، لكن يبدو أنهم لم يفهموها جيدًا، فتأكدنا من أنهم فهموها بشكل أفضل“.

التصعيد الكلامي.. عندما تُتجاوز الحدود

لم يقتصر التصعيد على العمليات العسكرية، بل امتد إلى سجال كلامي حاد بلغ مستويات غير مسبوقة. فقد وصف وزير الحرب “الإسرائيلي” يسرائيل كاتس الرئيس التركي بأنه “يسحب تركيا إلى مغامرات خطيرة في سوريا”، مهددًا بأن “إسرائيل لن تسمح لأي جهة بتهديد أمنها”. وفي تغريدة أخرى، قال كاتس: “سيكون من الأفضل لأردوغان أن يواصل إلقاء خطاباته الفارغة والخيالية ضد إسرائيل في البرلمان التركي، وألّا يختبر تصميم إسرائيل على الدفاع عن نفسها“.

الموقف الأمريكي.. لاعب ثالث في المعادلة

تظهر المشكلة أيضًا في العلاقة مع واشنطن، فتركيا ليست دولة يمكن التعامل معها كخصم منفرد، إذ إنها عضو في الناتو وتمتلك جيشًا وموقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية للولايات المتحدة. وقد أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرصًا على الحفاظ على علاقاته مع أردوغان، ما يجعل أي مواجهة “إسرائيلية” مباشرة مع تركيا أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الإدارة الأميركية.

وقد كشفت تقارير صحفية عن وقوع “خلاف نادر” بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” على خلفية الغارة على أبو الضهور. فالمبعوث الأميركي توم براك انتقد الهجوم علنًا ووصفه بأنه “تصعيد غير ضروري”، وقال إن واشنطن تعمل على آلية لتنسيق التحركات تشمل “إسرائيل” وتركيا وسوريا. والأكثر خطورة أن براك اتهم “إسرائيل” بالسعي “لإغراء تركيا” لفتح جبهة جديدة، بهدف خدمة أهداف نتنياهو الانتخابية.

تركيا بين المنافسة والعداء

لكن التعامل مع تركيا بالطريقة نفسها التي تعاملت بها “إسرائيل” مع سوريا ينطوي على اختلاف جوهري في طبيعة الخصم. فأنقرة تتحرك وفق شبكة واسعة من المصالح، وتوازن بين علاقتها بالولايات المتحدة وعضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها مع روسيا وإيران ومصر، كما أنها تسعى إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية، وليس إلى خوض حرب شاملة مع “إسرائيل“.

وهنا تكمُنُ المفارقة الكبرى: فالمبالغة في توصيف تركيا كعدو قد تؤدي إلى إنتاج التهديد الذي تخشاه “إسرائيل” نفسها. كلما صعّدت تل أبيب خطابها تجاه أنقرة، ازدادت قدرة أردوغان على توظيف المواجهة داخليًا، وتعزيز موقعه أمام قاعدته الشعبية، وتقديم تركيا باعتبارها الطرف الذي يتعرض للاستهداف. وفي الوقت ذاته، يتراجع هامش التعاون الأمني الذي يمكن أن يحد من المخاطر في سوريا، وتصبح قنوات التواصل أقل قدرة على احتواء الأزمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى