إيرادات المؤسسات الحكومية.. أرقام مخفية ومصير مجهول

أموال تائهة وموازنة خاوية
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
أعادت الأزمة المالية التي يمر بها العراق، بالتزامن مع تراجع الإيرادات النفطية وتوقف الصادرات، تسليط الضوء على أداء وزارة المالية ودورها في إدارة موارد الدولة، وسط انتقادات تتعلق بضعف الشفافية في الكشف عن حجم الإيرادات التي تحققها الوزارات والمؤسسات الحكومية وآليات إنفاقها ومصير الأموال المستحصلة من المواطنين.
ويرى مختصون بالشأن الاقتصادي، أن وزارة المالية لم تعد تؤدي الدور الإصلاحي المطلوب منها في رسم السياسة الاقتصادية وإدارة موارد الدولة بالشكل الذي يتناسب مع حجم التحديات، بعدما انحصر جانب كبير من عملها، بحسب وصفهم، في إدارة الرواتب والنفقات العامة، من دون تقديم رؤية واضحة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد المفرط على النفط.
وتبرز المشكلة بصورة أكبر مع وجود وزارات ومؤسسات حكومية تمتلك مصادر إيرادات مباشرة من المواطنين، إلا أن حجم تلك الإيرادات ومسارات إنفاقها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوضوح والإفصاح، ولا سيما ما يتعلق بوزارة الداخلية والدوائر التابعة لها، مثل المرور والجوازات والجنسية، فضلاً عن وزارة العدل ودوائر كتاب العدل، إلى جانب إيرادات وزارات الكهرباء والصحة والنقل وغيرها من المؤسسات التي تستحصل رسوماً وأجوراً مختلفة.
ويؤكد المختصون، أن معرفة حجم الأموال التي تدخل إلى خزينة الدولة من هذه المؤسسات تعد خطوة أساسية في بناء نظام مالي أكثر شفافية، مطالبين وزارة المالية بإعلان جداول دورية ومفصلة تتضمن الإيرادات المتحققة لكل وزارة ومؤسسة، وحجم النفقات التي تنفقها، ونسبة ما يذهب إلى الخزينة العامة، فضلا عن توضيح أوجه صرف الأموال المستحصلة من المواطنين.
ويشير المختصون إلى أن بعض الوزارات تمتلك موارد مالية يمكن أن تسهم في تخفيف الضغط عن الموازنة العامة، إلا أن غياب البيانات التفصيلية بشأن هذه الإيرادات يجعل من الصعب تقييم مدى استفادة الدولة منها أو معرفة ما إذا كانت هذه الأموال تستثمر في تطوير الخدمات والقطاعات التابعة لها.
وفي ظل الأزمة المالية الحالية، يؤكد اقتصاديون، أن استمرار اعتماد العراق على النفط بوصفه المصدر الرئيس لتمويل الموازنة يجعل المالية العامة شديدة التأثر بأي اضطراب في الصادرات أو انخفاض في الأسعار، الأمر الذي يتطلب تفعيل الإيرادات غير النفطية، وإعادة تنظيم موارد الوزارات والمؤسسات الحكومية، بما يسمح لها بالمساهمة في تمويل نفقاتها وخدماتها وتقليل العبء عن الخزينة العامة.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي ضياء المحسن في حديث لـ” المراقب العراقي”، إن هناك ضعفاً في مستوى الشفافية والوضوح بشأن إيرادات الوزارات، مبينا، أن وزارة المالية مطالبة بالكشف بصورة أكثر تفصيلا عن حجم الموارد التي تحصل عليها المؤسسات الحكومية وآلية إدارتها وأوجه إنفاقها”.
وأضاف، أن “دور وزارة المالية يجب ألا يقتصر على توزيع الرواتب وإدارة النفقات، وإنما ينبغي أن يمتد إلى رسم سياسة اقتصادية متكاملة، وتنظيم الإيرادات والنفقات، ووضع خطط لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي”.
ولفت إلى أن “القطاع المصرفي لم يتمكن من أداء الدور المطلوب في دعم النشاط الاقتصادي بالشكل الكافي، خصوصا في مجال تمويل المشاريع الإنتاجية وتوسيع دائرة القروض والاستثمارات، مشيرا إلى أن إصلاح المالية العامة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إصلاح النظام المصرفي والاقتصادي بصورة عامة”.
وشدد المحسن على أن “العراق بحاجة إلى إعادة هيكلة اقتصاده، والقضاء على البيروقراطية والروتين الإداري، وتعزيز الرقابة على المال العام، ومحاربة الفساد، إلى جانب اعتماد أنظمة مالية ورقمية تتيح تتبع الإيرادات والنفقات الحكومية بصورة دقيقة وشفافة”.
وتأتي هذه المطالب في وقت تواجه فيه المالية العراقية ضغوطاً متزايدة نتيجة هشاشة الإيرادات غير النفطية وارتفاع حجم النفقات الثابتة، وفي مقدمتها الرواتب والتقاعد والدعم، ما يجعل إصلاح إدارة الموارد الحكومية وتنويع مصادر الدخل ضرورة وليس خياراً، خصوصا إذا أراد العراق بناء اقتصاد قادر على مواجهة الأزمات وتقليل اعتماده على تقلبات سوق النفط.
ويرى مراقبون، أن الإفصاح عن الإيرادات الحقيقية للوزارات والمؤسسات الحكومية، وربطها بمستويات الإنفاق والخدمات المقدمة للمواطنين، يمكن أن يشكل مدخلاً مهماً لإصلاح المالية العامة، وتعزيز الثقة بإدارة المال العام، وتحويل الوزارات من جهات تنفيذية مستهلكة للموارد إلى مؤسسات فاعلة في دعم الاقتصاد وزيادة الإيرادات غير النفطية.



