ما مدى صلاحية الالتزام الأمريكي بأيّ اتفاقية في عهد ترامب؟

بقلم: مازن النجار..
تفاقم الغدر والخيانة الأمريكية عقب إنجاز مذكّرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الموقّعة في الـ 17 من حزيران 2026، والتي وقّعها ترامب بقصر فرساي. وقد توسّطت في إنجاز هذه المذكّرة باكستان بمساعدة دول شرق أوسطية، ووُصفت بأنها اتفاق مبدئي للتوصّل إلى اتفاق موسّع ونهائي. وتضمّنت المذكّرة 14 بنداً تحدّد شروط وقف فوري لإطلاق النار وآليات للتفاوض لأجل سلام دائم.
سرعان ما نقض ترامب التزامه بالمذكّرة. وبهذا الصدد، قال جون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو، في تموز 2026: “عندما ننظر لما يحدث من وجهة نظر إيران… يعتقد الإيرانيون “بحق” أنّ الولايات المتحدة لم تفِ بالتزاماتها بموجب الاتفاق“.
مضيق هرمز وإعفاءات صادرات النفط
استندت إيران لعدة جوانب معقولة في اتهامها ترامب بعدم الامتثال، وسنتناول ثلاثة منها، بدءاً بأهمها. يتناول البند الـ 5 ما حلّ محلّ اليورانيوم المخصّب محوراً أساسياً للصراع، أي موقف إيران من حركة الملاحة بمضيق هرمز الحيوي اقتصادياً.
البند الـ 5: “بموجب توقيع مذكّرة التفاهم هذه، ستبذل إيران قصارى جهدها لتوفير ترتيبات المرور الآمن للسفن التجارية مجاناً، لمدة 60 يوماً فقط، من الخليج إلى بحر عُمان وبالعكس… [و] ستُجري حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية بمضيق هرمز…”.
كان يُفهم من هذه النقطة أنّ إيران سترفع حصارها، لكنها ستظلّ تشرف على حركة الملاحة وتوجّهها. عندما سيطرت إيران على حركة الملاحة بمضيق هرمز في آذار 2026، استبدلت بمسار الملاحة المُتبع قبل الحرب، ويمرّ وسط المضيق، مساراً آخر يُوجّه حركة الملاحة بمحاذاة سواحلها. لكن بعد توقيع مذكّرة التفاهم، بدأت إدارة ترامب توجّه السفن لمسار مختلف يمر عبر المياه الإقليمية العُمانية.
عقب وقف إطلاق النار، هناك ثلاثة مسارات: مسار يُحاذي سواحل عُمان، ومسار وسطي كان مُتبعاً قبل الحرب، ومسار يُحاذي سواحل إيران.
“لقد انتهكنا [مذكّرة التفاهم] بإنشاء ممر جنوبي”، بحسب الكولونيل المتقاعد في الجيش الأميركي، دانيال ديفيز، صاحب بودكاست Deep Dive المتخصص في القضايا الجيوسياسية. “لا يوجد في مذكّرة التفاهم التي وقّعناها ما يُجيز إنشاء ممر جنوبي أو دخول أميركا إليه وتحديد كيفية تنفيذه انفرادياً. هذا ببساطة غير موجود في المذكّرة”. ديفيز الذي عاد من أفغانستان وكشف عام 2012 عن تضليل مسؤولين مدنيين وعسكريين للرأي العامّ بشأن سير الحرب هناك، أشار إلى أنّ التحرّك الأميركي بالمضيق كان استفزازاً متعمّداً.
ثمّ هناك البند الـ10 من مذكّرة التفاهم، الذي وعدت فيه إدارة ترامب بإصدار إعفاءات من العقوبات تسمح بتصدير النفط الإيراني ومشتقاته من دون قيود. ألغى ترامب الإعفاءات في الـ7 من تموز، مشيراً إلى هجمات إيران على السفن التي لم تمتثل لسيطرتها على مضيق هرمز… وهي سيطرة وافقت عليها أميركا ضمنياً بموجب البند الـ5.
شرعنة الاحتلال الإسرائيلي في لبنان
وبالنظر لأهميته البالغة لإيران، نصّ البند الـ1 من مذكّرة التفاهم على “الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية بجميع الجبهات في لبنان”. لم يركّز هذا البند على إيران والولايات المتحدة تحديداً، بل على حلفائهما -حزب الله المتحالف مع إيران، و”إسرائيل” المتحالفة مع الولايات المتحدة. رغم ذلك، واصلت “إسرائيل” عملياتها، وتدمير البنية التحتية المدنية الشامل في جنوب لبنان، بما يُضاهي ما فعلته قوات الاحتلال الإسرائيلي بغزة.
قد يُجادل البعض بأنّ أميركا لم تكن في وضع يسمح لها بفرض بنود مذكّرة التفاهم على “إسرائيل”، ولكن إن كان هذا صحيحاً، فما كان ينبغي لترامب أن يوقّع مذكّرة تفاهم يُقرّ بموجبها ضمنياً بأنه سيفعل ذلك.
بل إنّ إدارة ترامب، في خطوة مُضاعفة، اتخذت إجراءاتٍ لشرعنة وجود “جيش إسرائيل” في لبنان. يقول السفير الأميركي لدى السعودية ومساعد وزير الدفاع الأسبق، تشاس فريمان: “نصّت مذكّرة التفاهم على ضرورة إخراج الإسرائيليين من لبنان. لم نبذل أيّ جهد لتحقيق ذلك. بل على العكس، توسّط ماركو روبيو في اتفاق بين حكومة لبنان وإسرائيل يقضي بمهاجمة حزب الله بشكل مشترك. ما هذا إذاً؟ إنه على أقلّ تقدير تصرّف غير حكيم“.
الصفقة النووية السعودية الأمريكية
لم يقتصر أمر نقض ترامب الاتفاقيات على خصوم الحكومة الأميركية الذين تعرّضوا لتراجعات ترامب المفاجئة عن شروط وافق عليها بنفسه، بل اسألوا الحليف السعودي.
في الـ 22 من تموز، وقّع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان اتفاقية تُمكّن المملكة من بناء مفاعلات نووية وتخصيب اليورانيوم باستخدام تكنولوجيا أميركية. وأصدرت الحكومتان بيانات رسمية، واعتُبر ذلك انتصاراً لولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.
في صباح اليوم التالي مباشرة، فاجأ -بل باغت- ترامب السعوديين ومرؤوسيه، بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي يضيف شرطاً ضخماً بأثر رجعي: لن يكون هناك اتفاق نووي ما لم تنضمّ السعودية لـ”اتفاقيات أبراهام”، التي تتضمّن الاعتراف بشرعية “إسرائيل”، وإقامة علاقات دبلوماسية رسمية.
ترامب “يُبرم صفقة، يُوقّعها، يعلنها، يتباهى بها، وفي غضون 24 ساعة يُغيّر بنودها تغييراً جذرياً”، كما يلاحظ تريتا بارسي -نائب رئيس معهد كوينسي- في بودكاست Deep Dive. “إذا كان هذا ما سيفعله بالسعودية – وهي دولة تربطها بالولايات المتحدة علاقات وثيقة للغاية… وكذلك، تربط عائلة ترامب بها علاقات تجارية وثيقة جداً – فماذا يفعل بإيران؟ ما هي مدّة صلاحية أيّ التزام أمريكي في عهد ترامب تجاه إيران في أيّ اتفاقية؟” أو لأيّ طرف آخر، في الواقع.



