طائرات غزة الورقية وأزمة “إسرائيل” الوجودية.. أي صلة؟

أحمد عبد الرحمن..
يختلف المختصّون في الشأن “الإسرائيلي” حول مسألة “أزمة وجودية” حقيقية يعاني منها المشروع الصهيوني منذ نشأته وحتى يومنا هذا، إذ يعتقد البعض منهم أنها أزمة مُفتعلة لتبرير الجرائم التي تقوم بها هذه “الدولة” الهجينة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وضد جيرانها من دول وجماعات، وهذا في جزء منه صحيح.
فيما يرى البعض الآخر، ونحن منهم، أن هذه الأزمة بالفعل موجودة، وهي وإن كانت تُستخدم في بعض الأحيان لتبرير عدوان هنا أو عدوان هناك، إلا أنها لازمت المجتمع الصهيوني وحكوماته المتعاقبة منذ أكثر من ثمانية وسبعين عاماً، وظلّت تمثّل لهما عقدة من الصعب تجاوزها، أو الفكاك منها، وهي، أي هذه الأزمة، باتت معياراً أساسياً في تحديد سياسات العدو الصهيوني من كثير من القضايا المختلفة، داخلية كانت أم خارجية.
في غزة المُجوَّعة والمدمّرة لم يعد الاحتلال يشعر بـ”التهديد الوجودي” مما تبقّى من المدافع والصواريخ التي يطالب ليل نهار، برفقة مجلس السلام “المجرم”، بجمعها وتدميرها، ولا من قوات نخبة المقاومة التي أسقطت صباح السابع من تشرين الأول المجيد أهم فرقه العسكرية في ساعتين اثنتين لا أكثر، بل بات همّه الأكبر ملاحقة مُطلقي الطائرات الورقية الجميلة في شوارع وضواحي غزة، والذين أصبحوا، برفقة أهلهم وبيوتهم وحواريهم، أهدافاً عسكرية بكل ما للكلمة من معنى، وباتوا أكثر أهمية من كوادر وعناصر المقاومة من وجهة نظر مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، ووزير حربه الأحمق، واللذين أمرا جيشهما “العرمرم”، وأجهزة استخباراتهم “الحديثة”، بجمع المعلومات الاستخبارية عنهم، وتحديد أماكن تحركاتهم، وصولاً إلى استهدافهم، إلى جانب إخلاء وتدمير المناطق التي ينفذون منها وفيها “عمليات” إطلاق طائراتهم الملوّنة، والتي طالما كانت وسيلة ترفيهية محبّبة لأطفال غزة كما هو الحال لدى نظرائهم في كل دول العالم.
من المهم الإشارة هنا إلى أن هذه الجريمة الجديدة بحق أطفال وسكّان غزة تأتي في سياق محاولات الاحتلال لتبرير إدامة العدوان على القطاع المنكوب، ومنع الفلسطينيين فيه من أي مظاهر للحياة حتى لو كانت طائرة ورقية بسيطة، كما أنها تأتي في سياق حملة انتخابية إسرائيلية بدأت مبكّراً، ولا تبدو فيها حظوظ نتنياهو في أحسن حال، لا سيّما وأن الدم الفلسطيني كان على الدوام عاملاً أساسياً في حسم هذه الحملة، والتي تبدو هذه المرة استثنائية وحاسمة بكل ما للكلمة من معنى، خصوصاً للائتلاف الحاكم في “إسرائيل”، والذي عانى إخفاقات لافتة منذ بداية وصوله إلى الحكم.
إلا أنه من المهم الإشارة أيضاً إلى حقيقة لا يجب تجاهلها، وهي تتعلّق بهاجس الخطر الوجودي الذي يشعر به كل سكّان الكيان العبري، والذين، وعلى الرغم من تطمينات قادتهم بزوال معظم الأخطار التي كانت تتهدّدهم من غزة ولبنان وإيران وغيرها، إلا أنهم لم يعودوا يثقون بهذه التطمينات، وينظرون بعين الريبة لكل ما يحيط بهم من تحرّكات، حتى لو كانت صفارة إنذار انطلقت عن طريق الخطأ، أو تحرّك حيوان برّي قرب مستعمراتهم التي لم يعد معظم مستوطنيها إليها حتى يومنا هذا.
في “إسرائيل” التي تحتل أرضاً لشعب آخر، وتستخدم كل ما تحصل عليه من مساعدات مادية وعسكرية من حلفائها في كل أرجاء العالم لقتل كل من يعارضها أو يناوئها، أو يرفع الصوت في وجهها، هناك شعور طاغٍ بالخوف، والعزلة، وأن المستقبل ليس في صالح هذا الكيان اللقيط، ولا في صالح مستوطنيه الذين يعيثون فساداً بحق المدنيين الفلسطينيين في مدن الضفة الغربية المحتلة.
في “إسرائيل” التي نظرت لحجر الطفل الفلسطيني في غزة والضفة إبان انتفاضة الـ87 بأنه يساوي قنبلة، ونظرت للمقلاع بأنه يساوي صاروخاً، لا يمكن للمستوطنين العيش بأمان حتى لو امتلكت دولتهم كل إمكانيات الدفاع والهجوم والقتل على بعد مئات الأميال من حدود “المستوطنة”، إذ إن الأمن الذي يُبحث عنه من خلال العدوان على الآخرين، لا سيّما إن كانوا هم أصحاب الحق، لا يمكن الحصول عليه، ولا حتى الاقتراب منه، وربما يصبح في مرحلة ما، كما هو الحال حالياً، بعيد المنال، ومجرّد حلم يتبخّر ساعة أن يصحو صاحبه من النوم.
على الجانب الآخر ستبقى الحياة في غزة، رغم قسوتها وصعوبتها، ورغم ما يحيط بها من أزمات بات بعضها مُستفحلاً ومُستعصياً، جميلة كإشراقات الصباح الدافئة، التي لا ينغّصها صوت مدافع الاحتلال، ولا ضجيج طائراته المسيّرة التي تجوب الأجواء على مدار الساعة.
في غزة المنكوبة ما زال هناك متّسع للعيش وإن بالقليل من كل شيء، ما زال هناك متّسع للضحك والسّمر في منتزهاتها البسيطة التي بدّدت صواريخ الاحتلال صفوها في مجزرة رجال الشرطة الأخيرة، وزيارة شاطئ بحرها المكسو بحمرة دم الشهداء في جريمة الميناء قبل أيام.
في غزة ما زال هناك متّسع للصمود والصبر رغم المعاناة وقسوة الحياة، إذ إن الأهداف الكبرى بحاجة إلى تضحيات كبرى، وهذا بالضبط ما يبرع فيه الفلسطينيون، خصوصاً في غزة، والذين ما زالوا يتمسكّون بحلمهم، ويؤمنون بإمكانية تحوّله إلى حقيقة خلال سنوات قليلة، سنوات سيواصلون فيها دفع كل ما يلزم من ثمن، وبذل كل ما يمكن من جهد، وتقديم الغالي والنفيس من أجل أن ترى أجيالهم القادمة ثمرة تضحياتهم وعطائهم.
تضحيات لن يكون ثمنها أقل من طرد هذا الاحتلال من الأرض والمقدّسات إلى غير رجعة، بعد أن يدفع ثمن كل ما ارتكبه من جرائم، وما قام به من مُوبقات.



