اراء

شقشقة ما قبل التشاؤم

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي ..

ما بين الصراع على السلطة وتقاسم الكعكة والتسابق نحو السهم في محاصصة الضمائر الميّتة قد يضيع الجمل بما حمل شئنا أم أبينا.. ليست الدولة قصوراً مشيدة ولا رايات وأعلام لأحزاب أو أقاليم مرفوعة ولا أسماء تتردد في الأفواه المأجورة. الدولة معنى يُقيم في الضمير قبل أن يستقر في البلاط، ونظام من القيم يحفظ للناس كرامتهم وللمجتمع وحدته وللوطن سيادته. فإذا انقطعت الصلة بين السلطة والأخلاق وبين القيادة والحكمة وبين الشعب والثوابت، غدت الدولة جسداً خاوياً تسكنه روح مضطربة مهدداً بالسقوط من داخله، كأنني أحكي عن وطني ولا وطن سواه.. إن القوم الذين يفقدون قيمهم وثوابتهم لا يخسرون ماضيهم فحسب بل يبددون استحقاقهم للحياة. فالقيم ليست زينة خطابية يصفق لها زبانية التملق، إنما هي الميزان الذي تُوزن به الأفعال، والبوصلة التي تهدينا حين يسود الضباب وتتكاثر علينا الطرق، حين يخبو الضمير وتتفشى الشائعة ويتهاوى العقل تنشط الفتنة وتتحول الدولة الى ملاذ للعملاء واللصوص وأرباب النفاق، فهل غدونا هكذا أم انها شقشقة ما قبل التشاؤم؟ حين يتحوّل الشك إلى يقين والظن إلى حكم والاختلاف إلى خصومة وعداوة، حين تتحول الزعامة إلى صنمية وأنصار كل زعيم عبيد له مع سبق الإصرار. حين يغلق الهمج الرعاع أبواب العقل ويهجروا فضيلة النصيحة، وزعماء الغفلة لا يرى كلٌّ منهم نفسه سوى معبود لا يُناقش، محاطاً بعصمة الوهم. الزعيم الذي لا يحيط به إلا المادحون والمطبلون يشبه من يعيش في قصر من المرايا، لا يرى إلا نفسه. واأسفاه لقد وصل الحال بنا أن يهين بعض الناس مقدساتهم لأن العصبية العمياء تجعل المقدس تابعاً لأهوائهم، محكوماً بمزاجاتهم، والدين أداة للمزايدة مرهوناً بالخصومة. لقد انقلبت الوسيلة على الغاية وصار ما يُفترض أن يوحّد الناس سبباً في شقاقهم وفرقتهم، لم نعد نرى من يبني الإنسان ويصون وحدته ويقيم العدل ويحفظ كرامة الجميع. هل هناك فينا من يدرك أن الهزيمة الكبرى تبدأ يوم يفقد المرء القدرة على رؤية عيوبه، بعيداً عن الأحقاد العمياء ليكن لنا في شعب جمهورية الجوار الذين واجهوا أعداءهم بالقوة والصبر وثبتوا أمام المحن ودافعوا عن أرضهم وكرامتهم أمام أقوى طاغوت في الأرض درساً بليغاً لمن أراد أن يتعظ. فلم تكن قوتهم في عبادة الأشخاص بل في اجتماع الكلمة ووضوح الغاية وربط الشجاعة بالحكمة والتضحية بالوعي. لقد أدركوا أن العدو لا يُهزم بجبهة تتآكل من الداخل، وأن الأمة التي تتخاصم على الزعامات تُقدّم نفسها للعدو قبل أن يصل إليها العدو. أن الاقتداء بالأبطال ينبغي ان يكون الاقتداء بصدقهم وثباتهم وانضباطهم وتقديمهم المصلحة العامة على نزوات الأفراد. فليس المجد إرثاً يُستعار إنما هو موقف عند الشدة وقدرة على أن يقول الإنسان للباطل لا… هي شقشقة ما قبل التشاؤم إن أردنا الخير لبلادنا. علينا أن نعود إلى أصلنا الإنساني، فيكون الاختلاف رحمة لا فتنة، والمقدسات موضع إجلالٍ لا وسيلة صراع، والوطن بيت يتسع لجميع أبنائه. وحينئذٍ فقط تستعيد الدولة معناها وحضورها، ويستعيد الناس رشدهم، ويغدو للعقل هيبة وحضور واحترام، هي شقشقة ما قبل التشاؤم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى