اخر الأخباراوراق المراقب

هل يكون الحق وسيلة للتفوّق؟

محمد علي جواد تقي..

شَيّبتْنِي سُورَة هُود” رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلّم

لماذا هذا التخصيص في أمر له وقعٌ شديدٌ على قلب رسول الله؟ وما هي الآية في هذه السورة التي أثّرت فيه، صلى الله عليه وآله؟

روي عن ابن عباس أنه استفهم الأمر منه، فقال: إنها الآية: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}، وفي رواية عنه ايضاً: “ما نزلت على رسول الله، آية كانت أشدّ عليه ولا أشفق من: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

إنها الاستقامة على مبدأ الحق بالشكل الذي يريده الله –تعالى- لا كما يريده الانسان، والخطاب القرآني الموجه الى النبي الأكرم ينصرف في معظم الاحيان الى عامة المسلمين على مر الزمن، ولأن المحيطين بالنبي آنذاك يتعرضون للزيغ والانحراف عن الجادّة، كما يحصل اليوم، فإن خيارهم الوحيد؛ التوبة والإنابة الى الله –تعالى- ثم يحذرنا القرآن الكريم على لسان ربّ العزّة والجلالة بأن {وَلا تَطغَوا}، لوجود الاحتمال المؤكد باتخاذ البعض من مبدأ الحق عكازاً يظهر به في الساحة الاجتماعية والسياسية على أنه أجدر من غيره، أو أن يتخذ من هذا المبدأ الإلهي وسيلة لتمرير أفكاره ونظرياته بدعوى أنها امتداد لتعاليم وأحكم القرآن الكريم.

وبما أن مبدأ الحق يمثل منظومة لجميع القيم الإيجابية في الحياة، وأنه يجسد النظام في الحياة وفي الكون، فهو مصدر قوة فكرية أمام الآخر، وأيضاً؛ في أوساط الأمة لشرعنة التسيّد والتفوق في المجالات كافة، فإن الاسلام أخذ هذا الاحتمال بنظر الاعتبار وعرّف لنا الحق أولاً، حتى نعرف أهله في خطوة لاحقة، وهي المعادلة التي بشّر بها أمير المؤمنين، عليه السلام، في حواره مع ذلك الرجل قبل اندلاع حرب الجمل، وكان يشكّ مع من يقاتل! فقال له، عليه السلام: “اعرف الحق تعرف أهله”، وأنه “لا يُعرف الحق بالرجال” فيلتبس على الناس أمر دينهم ودنياهم.

ما هو الحق؟

بين أيدينا كتاب الله المجيد، علينا الاستضاءة به في هذا الخصوص لنجد أن الحق يقف بالضدّ من الباطل الذي يمثل الوهم والكذب، بينما الحق مصداق لليقين والصدق، ومصدر الحق هو الله –تعالى- بتصريح عديد الآيات الكريمة: {وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ}، ومن هذا المنطلق العُلوي نحن ننعم بروعة المنظومة الشمسية، ونتحفّز في أعمالنا بالأجر والثواب، ونحذر العقاب يوم القيامة بسبب المعاصي، كما نؤمن بالموت لأنه يحدد لنا تأريخ صلاحية وجودنا في هذه الحياة المؤقتة والتطلّع الى الحياة الدائمة بعد الموت، وأن الرسالات الإلهية منذ أول الخليقة حملت الأحكام والنظم للإنسان، وهي من حيث المصدر والغاية واحد، فالإيمان برسالة النبي محمد، وبما جاء به من عند الله، مقرونٌ بالإيمان برسالة النبي عيسى وموسى وسائر الانبياء والمرسلين كونهم في مسار واحد ممتد مع الزمن.

ومن سمات الحق أنه غيب وليس مادة ملموسة، فقيم مثل؛ الصدق، والثواب، والعدل، والحرية، وما الى غيرها من القيم الجميلة، تُعد أمور غيبية لا تخضع لتلاعب الانسان مهما كانت قوته وقدراته، كأن يبعّض بالعدل لهذا دون ذاك، أو يحوّر الصدق الى ما يحلو للبعض تسميته بـ “الكذب الابيض”، فهي ليست أموالا أو ذهبا او عقاراتٍ يمكن تقسيمها وفق مصالح ورغبات معينة، ولذا نجد الحق محور الإيمان في القرآن الكريم، فالمؤمن الحقيقي هو ذاك الحقّاني في كل شيء، ويسعى دائماً لتجنب منزلقات الباطل في فكره وسلوكه، فيكون إيمانه متطابقاً مع كل قيم الحق التي جاء بها الله –تعالى-، وهي مسألة نسبية على مر الزمن، يكون فيها الانسان محل اختبار في الاحتفاظ بمستوى التطابق بنسبة أعلى ما مكنته إرادته وبصيرته.

الآية الكريمة من سورة البقرة دقيقة وصريحة جداً في هذا السياق: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}، فكما أن الإيمان لا يحتمل التبعيض، فإن الحق ايضاً؛ لا يحتمل التزوير.

الحق منطقٌ وليس سلاحاً

كما اتضح آنفاً أن الحق مصدر قوة للإنسان، وإنْ كان معنوياً وليس مادياً، لذا نرى هذا الانسان يسعى دائماً لأن يكون الحق الى جانبه، بل وأن يكون الحق متجسداً فيه دون غيره! وعند هذه النقطة ينسى حقيقة محورية أن الحق الذي قلنا أنه غيب ومسألة معنوية، وأن الايمان أداته العملية في واقع الحياة، فإن هذا الايمان سيفضح من يتجرأ على الحق ويدعيه كذباً لأن الايمان والتسليم يفترض من صاحبه الخروج من شرنقة الأنا وعبادة الذات، وينطلق في رحاب قيم أخلاقية وإنسانية طالما يدعونا اليها القرآن الكريم مثل؛ الإحسان، والعفو، والشكر، والصبر، والرحمة، والمودّة، فأي انعطافة نحو التعالي، والغرور، والطمع يكشف زيف الايمان، ومن ثمّ يتضح للجميع وهم الحق المتعكّز عليه.

وعندما نتحدث عن التوسّل بمبدأ الحق لتحقيق ما نصبو اليه، فإن الطريقة غير الرسالية لهذا التوسل –إن جاز التعبير- والمستجيبة لرغبات نفسية، فإن أول ضحية في هذا الطريق تكون الاخلاق، وهي من أبرز قيم الحق، وتكون آثار هذا الاستهداف أخطر اذا دار الأمر على محور الاجتماع والعلاقات بين الافراد، فالتماسك والتكافل والتآزر الذي تنشده الأخلاق الفاضلة يكون ضحية منطق القوة والتعالي على الآخرين، “فإذا كانت هناك طائفة من المجتمع ترى أنها على حق والآخرين على خطأ، فإن انتهاجها أسلوب التشدد والكلام العنيف، وعدم مراعاة المجتمع، قد يصل بها الى حد تسقيط المجتمع، حينئذ تنشأ الحواجز النفسية بين هذه الفئة وبين المجتمع”.

إن الأئمة المعصومين، عليهم السلام، خيرُ من يجسدون لنا آلية التعامل مع الحقّ، وهم أحد مظاهر الحق الإلهي في الأرض، وهم امتداد للرسالة الإلهية الخاتمة، فقولهم وفعلهم وتركهم حقّ، ولكنهم لم يتخذوا من هذا المبدأ سلاحاً للانتصار على أعدائهم، إنما كان يتخذونه منطقاً للحوار ولمشروعهم الثقافي والتربوي بين اوساط الأمة.

فهذا أمير المؤمنين، عليه السلام، الذي قال في حقه رسول الله، قولته المشهورة: “علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار”، والحديث يرويه الخاصة والعامة من علماء الأمة، ولكن هذا الحق لم يمنع من تهميشه عن مرتبة القيادة طوال خمس وعشرين سنة، وكذا الحال بالنسبة للأئمة الهداة من بعده، فقد كانوا على حق، ولكنهم قتلوا بالسيف والسمّ على مرأى ومسمع من الناس، وبكل سهولة، دون أن يشعروا بقلق من ردود فعل جماهير الأمة.

بدلاً من اتخاذ الحقّ سلّماً للصعود والتفوّق على الآخرين، من الجدير التفكير برفع مستوى الوعي والفهم بمبدأ الحق الى مراتب عليا تمكننا من تشخيص بؤر الفساد والانحراف الناشئة من الاحتكام الى الباطل، وكلما كان المستوى والفهم والإيمان أعلى، كان النجاح وتحقيق الاهداف المنشودة أقرب على صعيد الفرد في علاقاته الاجتماعية، وعلى صعيد الجماعة في تشكيل المجتمع الناجح والمتقدم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى