اراء

علي الطاهر.. سياسة قضم الجنوب اللبناني وحرق أهله

بقلم: إيفاريتا جعفر..

بين قمم مرتفعات علي الطاهر والأودية الممتدة نحو النبطية وإقليم التفاح، لا تتوقف الآلة العسكرية الإسرائيلية عن إعادة رسم جغرافية الجنوب بالرعب والنار. لم يعد الاستهداف يقتصر على نقطة عسكرية أو هدف محدد، بل تحول إلى سياسة أرض محروقة شاملة، تستهدف المقومات الحيوية للبقاء وتضع المواطن الجنوبي في قلب مواجهة يومية مع الموت والتهجير.

من حرق الشجر إلى تمزيق الجسد تتنوع الأسلحة المسكوبة على التلال والقرى لتبدأ رحلة التدمير من البيئة لتصل إلى أعمق تفاصيل الجسد البشري:

الفسفور الأبيض: تحول هذه القذائف علي الطاهر وبساتين الزيتون إلى مساحات محروقة.

حيث يُعتبر الفسفور الأبيض سلاحاً مرعباً يترك بصمات كارثية ومزدوجة على المستويين البيولوجي والنفسي للإنسان؛ فعلى الصعيد الجسدي، تتفاعل مادته الكيميائية مع الأوكسجين بمجرد ملامستها للهواء لتشتعل بحرارة هائلة تصل إلى ثمانمئة درجة مئوية، حافرةً طريقها عبر الجلد والدهون لتصل إلى العظام وتستمر في الحرق حتى تنفد، بينما يتسرب السم إلى مجرى الدم ليضرب الكبد والكليتين والقلب، ويقترن ذلك باستنشاق أدخنته الكثيفة التي تؤدي إلى تلف الرئتين والاختناق، فضلاً عن آثاره الممتدة على الصحة الإنجابية والأجيال القادمة؛ حيث يتسبب تسرب هذه السموم والمعادن الثقيلة إلى الجسم والبيئة الملوثة في إحداث طفرات جينية وتلف للمادة الوراثية (DNA)مما يرفع من معدلات الإجهاض المباشر والخلل الهرموني وتأخر الخصوبة، ويؤدي إلى ارتفاع مخاطر التشوهات الخلقية للأجنة في الجهاز العصبي والأطراف والقلب. ولا يقل الأثر النفسي قسوة عن هذه الأضرار الجسدية والإنجابية، إذ يخلّف هذا السلاح صدمة عصبية عميقة واضطرابات فيما بعد الصدمة جراء العجز عن إطفاء نيرانه بالوسائل التقليدية، وما تتركه الندوب والتشوهات الباقية من اكتئاب عميق وعزلة اجتماعية، لتتحول سحب الفسفور الدخانية إلى علامة فارقة للرعب المستمر والأرق القسري في وجدان الناجين.

عندما يتحول عقرب الساعة إلى سلاح

لا يترك العدو اختيار مواعيد القصف للصدفة الميدانية، بل يوزع استهدافه وفق هندسة زمنية مدروسة تهدف إلى تعظيم الصدمة والإرباك؛ فيستهدف ساعات الفجر المباشرة لتباغت الانفجارات الناس في أعمق درجات نومهم وتربك استيقاظهم، ويختار ذروة الظهيرة لشل الحركة وتشتيت العائلات وتقطيع الأوصال بين المدارس ومنازل العمل، بينما يتعمد القصف في ساعات منتصف الليل لفرض “الأرق القسري” وحرمان الصغار والكبار من السكينة، معقداً قدرة المجتمع على التنبؤ ومبقياً الجميع في حالة استنفار عصبي وتحفز دائم للنزوح المفاجئ.

سياسة الأراضي المحروقة وتفكيك مجتمع الجنوب

إن الهدف الأعمق من الدمار المكثف على تلال كـ “علي الطاهر” وصولاً إلى عمق البلدات الجنوبية، هو تفكيك الرابطة الحيوية بين الإنسان وأرضه. لم تعد القذيفة تُسقط جداراً فحسب، بل تُبيد أجيالاً من شجر الزيتون الذي يمثل شريان الحياة الاقتصادي والوجداني للقرى. هذا التدمير المنظم للمنازل والبنى التحتية يُحول الجنوب إلى بيئة غير صالحة للعيش، متمماً أهداف القصف في فرض التهجير القسري وخلق واقع جغرافي جديد قائم على الرماد.

هل يصبح الخط الأصفر هو الخط الأزرق؟

تتجاوز العمليات المكثفة في مرتفعات علي الطاهر حدود التدمير العسكري المباشر لتفتح الباب أمام فرضية جيوسياسية خطيرة، تتمثل في تحويل التماس الميداني من مجرد “خط أزرق” للضبط الحدودي إلى “خط أصفر” أعمق داخل الأراضي اللبنانية. إن السعي للسيطرة على هذه المرتفعات الشاهقة الحاكمة لمدينة النبطية وإقليم التفاح يُعطي ميزة كشف واستكشاف جغرافية شاسعة، مما يتيح فرض موقع فرض القوة والتفوق التكتيكي قبل أي استحقاق تفاوضي محتمل. ومن خلال توظيف القصف المكثف والأرض المحروقة كأداة قضم جغرافي متدرج، يحاول الاحتلال جعل الوصول إلى هذه القمم ورسم واقع ميداني جديد منطلقاً لفرض شروطه الأمنية والسياسية مستقبلاً، مما يضع المزيد من المساحات الجنوبية في قلب معادلة المساومة والتفاوض.

من يحمي الجنوب والمواطن اللبناني؟

أمام آلة القتل والتدمير الإسرائيلية واستراتيجية الأرض المحروقة، تكتمل فصول المأساة بالغياب الكامل للدولة اللبنانية، التي تتقاعس عن أداء أدنى واجباتها وكأن الجنوبي يدفع ثمن جغرافيا وجوده صامتاً خارج حساباتها. وبين غطرسة العدوان الذي يستهدف البشر والشجر، وتخلِّي مؤسسات الرسمية التي لا تأبه بأمن المواطن ولا بكرامته الحياتية، يُترك اللبناني الجنوبي لمصيره وحيداً، يُقاوم محو هويته بالثبات في أرضه وحده يقاوم على جميع المستويات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى