اخر الأخباراوراق المراقب

علم “المنقطع المعطوف” القرآني.. الجزء الثاني


نظرًا لوضوح العبارة في هذه الرسالة عن علم المنقطع المعطوف، سننقل ما ورد فيها حرفيًا، حيث جاء الآتي:
والمنقطع المعطوف في التنزيل هو أن الآية من كتاب الله عز وجل كانت تجيء بشيء ما، ثم تجيء منقطعة المعنى بعد ذلك، وتجيء بمعنى غيره، ثم تعطف بالخطاب على المعنى الأول. مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ثم انقطعت وصية لقمان لابنه، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثم عطف بالخطاب على وصية لقمان لابنه، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
ومثل قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ثم قال تعالى في موضع آخر عطفًا على هذا المعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ كلامًا معطوفًا على ﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ثم قال تعالى في الأمر بالجهاد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ.
ومثله قوله عز وجل في سورة المائدة: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ثم قطع الكلام بمعنى ليس يشبه هذا الخطاب، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ثم عطف على المعنى الأول والتحريم الأول، فقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وكقوله عز وجل: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم اعترض تعالى بكلام آخر، فقال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثم عطف على الكلام الأول، فقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
ومثله قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ ثم قطع الكلام، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 56)، ثم عطف على القول الأول، فقال تمامه في معنى ذكر الأنبياء وذكر داود: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
آية التطهير.. من الاستطراد إلى المنقطع المعطوف
وقعت آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ موقعا أخذ وردا بين المفسرين والمتكلمين المسلمين؛ ذلك لأنها تُعدّ من أشهر ما نزل في واقعة معينة في ثلّة خاصة من أقرباء النبي، وبدلالة بيّنة على طهارة هذه الثلّة من الرجس، وبإرادة تكوينية من الله تعالى، وما سيترتب على ذلك من إثبات مقولة قوم ودحض مقولة آخرين.
مرتكز الأخذ والرد ناشئ عن الاختلاف في تحديد المقصود بـأهل البيت في الآية. فالخاصة ذهبوا إلى أن المقصود هم الخمسة أصحاب الكساء (صلوات الله عليهم أجمعين)، ومنحصر فيهم، وفي هذا تصريح بعصمتهم. أما غيرهم فذهبوا إلى أن المقصود منحصر في نساء النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي أحسن الأحوال أنه يشمل الاثنين معًا: نساء النبي وهؤلاء الخمسة، فلا دلالة على اختصاص إذهاب الرجس والتطهير بهؤلاء الخمسة دون غيرهم، أو القول بعصمتهم استند النافون لاختصاص الآية بالخمسة أصحاب الكساء (صلوات الله عليهم أجمعين) إلى مستندين: الأول روائي، فقد رووا عن عكرمة وقتادة وعروة أنها نزلت في نساء النبي. والثاني السياق، فآية التطهير واردة في سياق الآيات النازلة في نساء النبي، وبيان جملة الأحكام المختصة بهنّ. يقول تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾.
إذًا، مقتضى السياق أن يكون المراد بـأهل البيت في هذه الآيات خصوص الزوجات، وإلا عُدّ مقطع ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ مقحمًا على سياق الآيات.
بخصوص المستند الروائي، فقد رُدّ بروايات الفريقين في أن آية التطهير نزلت في حادثة مستقلة، وفي أصحاب الكساء حصرًا إضافة إلى ما نصّ عليه العديد من علماء العامة بأنها خاصة في الخمسة أصحاب الكساء.
أما فيما يخص مستند السياق، فقد أجاب عنه السيد علي الموحّد الأبطحي إجابة بديعة، ألخّصها على النحو الآتي:
1.
آيات أحكام نساء النبي نزلت في أول الهجرة بحدود السنة الرابعة للهجرة، وآية التطهير نزلت في أواخر عمر النبي (صلى الله عليه وآله).
2.
آيات أحكام نساء النبي محفوفة بالعتاب والتهديد، وآية التطهير في مقام الملاطفة وبيان الفضيلة، وهذا لا يتناسب مع العتاب.
3.
القرآن الكريم لم يُجمع بحسب النزول،وحجية السياق إنما تكون في الكلام الواحد المشتمل على جمل متعددة نزلت دفعة واحدة، لا الجمل التي وُضع بعضها إلى جنب بعض. فلا حجية من هذه الجهة، خصوصًا مع الاختلاف الواضح في الأسلوب بين آيات أحكام نساء النبي وآية التطهير. فلو أراد الأزواج لكان مقتضى الحال أن يقول: “عنكنّ الرجس ويطهركنّ تطهيرًا“. ولو خاطب الأزواج لما عدل إلى عنوان أهل البيت، حيث أوجب هذا العدول الإبهام في خصوص الآية، وأوقع الاختلاف بين المسلمين. وعلى فرض صحة العدول، فقد كان من الأنسب أن يقول: “يا أهل بيوت النبي، كما قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. وهذه الأمور تُضعف دلالة السياق المزعوم.
4.
آية التطهير جاءت على نحو الاستطراد، وهو واقع في القرآن الكريم نفسه، والشعر العربي، وسائر كلام أهل الفصاحة. والغرض منه هنا: إن الله تعالى لما عاتب نساء النبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ناسب أن يقول حينئذ: أما أهل البيت فليسوا كذلك، بل أراد الله إذهاب الرجس عنهم. ففي مقام توهّم أن المنتسبين للنبي كلهم على حال واحد، يقول: ليسوا سواءً، فأولئك النسوة لهنّ شأن، وهؤلاء الخمسة لهم شأن آخر؛ بلبثهم في مقام الطاعة وإرادتهم لما أراد الله .
أقول: لا أعلم على وجه الدقة: هل سبق أحدٌ السيد الأبطحي إلى استثمار علوم البلاغة العربية، بإدخال آية التطهير في فن الاستطراد، في الإجابة عن هذا الإشكال أم لا؟ إلا أن الأكيد أن علوم القرآن برواية أهل البيت (عليهم السلام) قد أجابت عن هذا الإشكال. فآية التطهير أحد أمثلة علم المنقطع المعطوف، كما سمّاه وعرّفه أمير المؤمنين (عليه السلام) في (رسالة المحكم والمتشابه).
 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى