اراء

بين الحرب والانتخابات.. ترامب والخياران المران في مضيق هرمز

بقلم: أحمد عبد الباسط الرجوب..

مع انقضاء المهلة المحددة بستين يوماً لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام مفترق طرق مصيري، يختزل مأزقه في خيارين، كِلاهما محفوف بالمخاطر والتكاليف الباهظة. الأول، شن حرب عسكرية ثالثة على إيران، والثاني، انتظار الانتخابات النصفية للكونغرس بعد ثلاثة أشهر مع استمرار الجمود الاقتصادي وتداعياته الداخلية.

هذا التوقيت الحساس يضع البيت الأبيض في حالة ترقب، إذ يدرك ترامب أن العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها واشنطن على طهران، إلى جانب الحصار البحري المشدد، لم تنجح حتى الآن في إجبار القيادة الإيرانية على فتح ممر الملاحة الحيوي في مضيق هرمز، الذي تحول إلى بؤرة التوتر الرئيسة في المنطقة. في المقابل، ترى إيران أن استمرارها في غلق المضيق هو حق سيادي وورقة تفاوضية مشروعة في مواجهة ما تصفه بالعدوان الاقتصادي الأميركي.

من منظور واشنطن، لقد راهن ترامب وفريقه الاستراتيجي على أن سياسة “العصا والجزرة” المقلوبة، القائمة على الضغط الأقصى والتهديد العسكري، كفيلة بإجبار طهران على التراجع عن موقفها المتصلب. لكن المعطيات الميدانية تشير إلى أن المضيق، حتى يوم العشرين من آب، لا يزال شبه مغلق أمام حركة الملاحة الدولية، وأن طهران تربط إعادة فتحه بتنفيذ مذكرة التفاهم ببنودها الأربعة عشر، وهو ما تعتبره واشنطن تعنتاً غير مقبول. من وجهة نظر إيرانية، فإن هذه المطالب تمثل ضمانات أساسية لرفع العقوبات واستعادة الأموال المجمدة، وتعتبر أن الولايات المتحدة هي التي بدأت العدوان بالعقوبات، لذا يجب أن تكون هي المبادر بتقديم التنازلات. هذا الجمود في المواقف حول المضيق من ممر استراتيجي إلى نقطة اشتباك دبلوماسي وقانوني، حيث يستخدم كل طرف الأوراق التي يملكها لإرباك حسابات الطرف الآخر.

على الصعيد الاقتصادي، تسبب استمرار غلق المضيق بارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، مما ولّد موجة تضخمية طالت الاقتصاد الأميركي وحلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا والخليج، الذين يعتمدون على هذه القناة المائية لنقل إمدادات الطاقة.

استغل خصوم ترامب السياسيون هذا الجمود، معتبرين أن الرئيس الجمهوري فشل في تحقيق هدفه المعلن بمنع إيران من إغلاق المضيق، بل إن النتيجة أصبحت عكسية، إذ بات المضيق شبه مغلق.

السؤال المحوري الذي يطرح نفسه: هل يدفع فشل العقوبات والحصار ترامب إلى اللجوء للتصعيد العسكري لتسجيل انتصار رمزي قبل الانتخابات؟ في تقديري، فإن ضربة عسكرية محدودة قد تحقق لترامب غطاءً إعلامياً مؤقتاً، لكن التداعيات الاستراتيجية طويلة المدى غير مضمونة، فقد تؤدي إلى رد إيراني يُصعّد الأوضاع بشكل لا يمكن السيطرة عليه. بالمقابل، ترى إيران أن أي عدوان عسكري سيواجه بردّ قوي يشمل استهداف مصالح أميركية في المنطقة، وهو ما قد يجر المنطقة إلى حرب واسعة لا ترغب فيها طهران ولا واشنطن. لذلك، يبدو أن الطرفين يفضلان في العمق تجنب المواجهة المباشرة، رغم استمرار التهديدات المتبادلة.

في هذا السياق، يبحث ترامب عن صفقة دبلوماسية يمكنه تسويقها داخلياً كفوز، دون الحاجة لخوض حرب مفتوحة، بينما تسعى إيران إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية من أي تسوية، التناقض في الخطاب الأميركي بين الدعوة للسلام والتهديد بالحرب، يعكس حالة التخبط الاستراتيجي، كما أن الموقف الإيراني المتشدد يعكس أيضاً صعوبة تقديم تنازلات في ظل الضغوط التي تواجهها طهران.

أصدر الكونغرس الأميركي مؤخراً قراراً يدعو لإنهاء الأعمال العدائية مع إيران، في رسالة ضمنية للرئيس تحُدُّ من صلاحياته في شن حرب مفتوحة دون موافقته. هذا القرار يعكس انقساماً داخل المؤسسة السياسية الأميركية حول كيفية التعامل مع إيران، ويضيف قيداً إضافياً على حركة ترامب. في المقابل، تستمر إيران في تعزيز قدراتها الدفاعية والصاروخية، مما يزيد من كلفة أي خيار عسكري محتمل.

مع استمرار الجمود، يبقى مضيق هرمز مغلقاً فعلياً، وتتضرر اقتصادات العالم، وتتدهور الأوضاع المعيشية في الغرب والشرق على حد سواء. أعلن ترامب مؤخراً عن “أشد عملية اقتصادية تدميرية” ضد إيران، مهدداً العالم بعواقب حال التعامل مع طهران، في خطوة تهدف لتعزيز العزلة الدولية لإيران، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول فعالية العقوبات القصوى في ظل وجود قنوات بديلة للتعامل مع إيران عبر دول لا تلتزم بالعقوبات الأميركية. من جانبها، تواصل إيران تطوير علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا ودول أخرى، في محاولة لكسر الحصار وتنويع شركائها التجاريين، مما يقلل من فعالية الضغط الأمريكي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى