إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ


قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. إنّ كلمة (أَقْوَمُ) صيغة أفعل تفضيل، بمعنى الأكثر ثباتاً واستقامة واعتدالاً، فالقرآن الكريم هو كذلك من جميع جوانب الوجود والحياة، وهو من أعظم النِّعم على البشريّة الّتي لو قضى الإنسان عمره كاملاً في السّجود شكراً لله تعالى ما أدّى حقّ هذه العطيّة الإلهيّة الخالدة. والقرآن هو الميزان الّذي على وفاقه تحصل البشرى والفوز بالجنّة، وعلى شقاقه يقع الخسران ودخول النار. إنّ القرآن هو الثقل الأكبر الّذي أُمرنا بالتمسّك به، والسير على هديه، فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّي قد تركت فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، وأحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله؛ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي؛ أهل بيتي”. وهو منار الحكمة، وربيع القلوب، وحبل الله المتين، ومنهج التعاليم الإلهيّة الّتي تصنع الإنسان وتربّيه. عن أمير المؤمنين عليه السلام في صفة القرآن: “جعله الله ريّاً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء، ومَحاجّاً لطرق الصلحاء، ودواءاً ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظلمة”. فإذا عرفنا عظمته وحقيقته؛ وجب علينا تعظيمه، وإجلاله، واحترامه؛ لأنّه كلام الخالق العظيم، لا أن نعلّقه على جدار، أو نضعه زينة في خزانة التحف، وقد غطّى الغبار دفّتيه، بل أن نرتّله؛ مع فهمنا لآياته، وعملنا بمضمونه، ونصغي آذاننا له بكلّ شوق ولهفة؛ بما يجسّد العلاقة الوثيقة به، والرجوع إليه في كلّ صغيرة وكبيرة، وبالخصوص في الفتن والمحن، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم؛ فعليكم بالقرآن”. ويحصل الرجوع إلى القرآن عبر العلماء المنتهلين من منبع الثقل الآخر أهل بيت العصمة عليهم السلام ؛ ففي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: “إيّاك أن تفسِّر القرآن برأيك؛ حتّى تفقهه عن العلماء”. إنّ المرء قد يحترم بعض الناس كأبيه، غير أنّه يخالفه، ولا يعمل بإرشاداته؛ وما ذلك إلّا لأنّ نفسه وهواه يأمرانه ويقودانه إلى مخالفته. وهذا في واقع الأمر ليس احتراماً حقيقيّاً، ولا تقديراً صادقاً، وإنّما الاحترام والإجلال الحقيقيّان يحصلان بالعمل بإرشادات الأب وإطاعته، لا الاستهانة بأمره، وهكذا بالنسبة إلى القرآن الكريم، فكما هو مطلوب من المسلم أن يقدّسه مطلوب منه – أيضاً – أن يتمثّل تعاليم القرآن في عمله وحياته وسائر شؤونه، ولا يدعه وراء ظهره في مواضع الابتلاء بمغريات الدنيا أو رغبات النفس الأمّارة بالسوء؛ وإلّا مع عدم العمل بتعاليم القرآن واتّباعه لا يتحقّق التعظيم والاحترام، ولا يصدق التمسك به، وحينما لا يكون المسلم متمسّكاً به سيضلّ الطريق القويم؛ بمقتضى حديث الثقلين، حيث إنّه لا يمكن الأمن من الضلال؛ إلّا بالتمسّك بالقرآن وأهل البيت عليهم السلام ، لا التخلي عنهما ولا الانفراد بأحدهما دون الآخر، فترك العمل بالقرآن؛ معناه: الضلال والانحراف عن الخط الّذي أرادنا الله تعالى أن نكون عليه. وأن من آداب القرآن تَعلُّمه وتعليمه: روي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “خياركم من تعلّم القرآن وعلّمه وكذلك تعظيمه واحترامه وتدبّره والاستفادة منه والطهارة عند تلاوته (أن يكون على وضوء). وعدم مسّ كلمات القرآن إلّا بعد الوضوء؛ وهو من الشروط اللازم واستقبال القبلة عند القراءة. وابتداء السور القرآنيّة بقول: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، أو “أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم”، ثمّ البسملة. وأن تكون القراءة ترتيلاً؛ كما ورد الأمر بذلك في القرآن: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. وأن تكون القراءة في المصحف، لا في غيره؛ ممّا اشتمل على بعض الآيات؛ ككتب الأدعية الّتي يطبع عادة جزء من القرآن الكريم في أوّلها، أو القراءة غيباً وظاهراً. وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: “النظر في المصحف عبادة”.



